عدو الملاعب

بقلم/ سامر الياس سعيد..
على الرغم من إدراكنا أن نعمة المطر لا يمكن الاستغناء عنها في عالمنا، لما توفره من موارد مائية تسهم في تخزين المياه والاستفادة منها، وتجنب الجفاف ويبس الأراضي، فضلاً عن استدامة الزراعة واعتماد الفلاحين على هذه النعمة الربّانية، فإنها تبدو، في المقابل، عدوّة الملاعب العراقية، بعدما تحوّل معظمها إلى أرضيات غير صالحة للعب ومواصلة مباريات الدوري، فضلاً عن صعوبة التسديد والتمرير بين اللاعبين.
أسهب معلّق الفضائية العراقية في سرد تفاصيل مباراة الطلبة ونظيره غاز الشمال على ملعب المدينة الدولي، الكائن في قلب العاصمة بغداد، بل تغنّى بالملعب بوصفه أحد أهم الملاعب العراقية التي أُنشئت أخيرًا، لتتفاخر به جماهير الرياضة العراقية وهي تتابع من مدرجاته مختلف الاستحقاقات الرياضية.
لكن أرضية الملعب تحوّلت أثناء تلك المباراة إلى مساحة غير صالحة تمامًا للعب، فمع كل تسديدة من أحد لاعبي الفريقين، كانت كميات من العشب الهشّ تتطاير، تاركة خلفها بقعة خالية تستوجب الصيانة الفورية. وجاء ذلك بعد موجة من الأمطار الغزيرة التي هطلت على مختلف المحافظات العراقية، ليبدو المطر في هذه الحالة عدوًّا غير مأمون العواقب، وهو يهاجم أرضيات الملاعب، محوّلاً إيّاها تارة إلى برك مائية يستحيل اللعب عليها، وتارة أخرى، كما حدث في مباراة الطلبة وغاز الشمال، إلى مناطق هشة يُقتلع عشبها مع أية حركة قوية من لاعبي الفريقين.
لقد باتت الحاجة واضحة إلى الاستعانة بالملاعب القابلة للغلق، من أجل الحفاظ على أجواء اللعب خلال فصل الشتاء ومواسم الأمطار، وحماية أرضياتها وإدامتها، ومنع تحوّلها إلى مساحات غير صالحة لإقامة المباريات. وقد طالبنا مرارًا، عبر هذه المنصّة وغيرها من منصّات الرأي، بأن تكون ملاعبنا مجهزة بأرضيات تضاهي الملاعب الأوروبية التي لا تتأثر حتى في أقسى الظروف الجوية، كما هو الحال مع الملاعب التي تكسوها الثلوج، فيما تواصل الكرة انسيابها بأريحية على العشب الأبيض، مقارنة بعشب ملاعبنا الذي يتأثر بأبسط الظروف، ولا يصلح للعب مع أقل موجة مطرية تهطل في أجوائنا، فكيف سيكون الحال مع الزائر الأبيض الذي لا تتجاوز زيارته لنا يومًا أو يومين في أفضل الأحوال؟.
وفي خضم هذه الأجواء، أتوقف عند تصريح مهاجم منتخبنا الوطني، أيمن حسين، لاعب نادي باختاكور الأوزبكي، الذي عبّر عن خجله مما كانت عليه أرضية ملعب المدينة خلال مباراة فريقه أمام القوة الجوية في الاستحقاق الآسيوي. فقد تطرّق حسين إلى سوء أرضية الملعب وعدم صلاحيتها للعب، وهي حالة تبعث على خجل ابن الوطن قبل الضيف، لأنها لا تتيح لنا التفاخر بهذه التحفة الرياضية التي أُنشئت لنعتز بها أمام الآخرين، فيما تظل أرضيتها مثارًا للجدل بعد كل موجة مطرية تستقبلها أجواؤنا في فصل الشتاء، وتضعنا أمام حيرة في كيفية معالجتها وإبقائها صالحة حتى في ظل الظروف الجوية المتقلبة.
وأعود للتساؤل عن الخبرات العراقية المتميّزة التي نجحت في معالجة الأعطال التي تعرّضت لها منظومات الكهرباء وغيرها من مفاصل الحياة، حتى في أقسى الظروف، فلماذا تستعصي أرضية بعشب أخضر على تلك العقلية العراقية المبتكرة؟.
إننا بحاجة إلى حلول تضمن استدامة هذه التحفة الرياضية، وتحافظ على صورتها ومكانتها، بدلاً من أن تتحوّل أرضيتها إلى مصدر خجل لأبناء الوطن أمام نظرائهم في الاستحقاقات الدولية التي يمكن أن تحتضنها ملاعبنا.



