اراء

بين تحولات المشهد في الداخل الأمريكي والاندفاعة الإسرائيلية.. هل يعيد الخليج حساباته؟

بقلم: وسام إسماعيل..

لم يكن فشل الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي في تحقيق الأهداف التي أعلناها في بداية العدوان على الجمهورية الإسلامية، المعضلة الوحيدة التي واجهت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وحزبه في الانتخابات النصفية التي تمكن الحزب الديمقراطي من حسمها لمصلحته، إذ أثار إصرار الرئيس الأمريكي على ضرورة اعتبار الناخب الأمريكي أنه يصوت لمصلحته بشكل شخصي إشكالية أخرى فرضت ضرورة تقييم الانتخابات الأخيرة على أنها استفتاء حقيقي حول اتجاهات الصراع والتسويات والتحالفات التي تلقي بثقلها اليوم على صناع القرار الأمريكيين، أي بمعنى آخر، النظر إلى هذه الانتخابات على أنها بمنزلة استفتاء حول المسارات التي سلكتها الإدارة الأمريكية منذ تولي الرئيس ترامب سدة رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية.

إذا اعتبرنا أن الرئيس الأمريكي لم يولِ اهتماماً لما يُعتبر وعوداً قطعها لناخبيه منذ سنتين، إذ أظهر بشكل مباشر بعد توليه سدة الرئاسة بداية عام 2025 ميلاً لتبني رؤية بنيامين نتنياهو التي من الممكن تعريفها بالانغماس في حروب ومشاريع تصعب مهمة تحقيق ما يلائم شعار أمريكا أولاً، فإن ذلك لن يكون كافياً لتفصيل أسباب الخسارة، إذ إن دونالد ترامب لم يدَع يوماً أنه سينكفئ نحو الداخل. أما بالنسبة إلى المواطن الأمريكي، فلم يكن يوماً مقتنعاً بضرورة التخلي عن الدور الأمريكي في العالم، إنما كان دائماً يبحث في كيفية معالجة النزف الذي سببته سياسات الإدارات المتعاقبة لموارده.

وعليه تتيح هذه المقدمة طرح تساؤلات حول طبيعة التحولات التي قد تفرضها نتائج الانتخابات النصفية الأمريكية على معادلات الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط، وما يمكن أن يترتب عليها من انعكاسات على أدوار دول المنطقة وخياراتها الاستراتيجية.

وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن الواقع الذي أفرزته هذه الانتخابات، مهما كان مؤثراً في حسابات الإدارة الأمريكية، لن يؤدي بالضرورة إلى إلزام الرئيس الأمريكي بتغيير توجهاته السياسية، ذلك أن النظام الدستوري الأمريكي، القائم على الفصل بين السلطات ضمن منظومة من الضوابط والتوازنات، لا يمنح الكونغرس سلطة مباشرة لفرض تغيير في توجهات الرئيس، ولا سيما في مجال السياسة الخارجية، إنما يتيح له مجموعة من الأدوات التشريعية والمالية والرقابية التي يمكن توظيفها لتقييد هامش حركته والتأثير في قدرته على تنفيذ خياراته. ومن شأن هذا الواقع أن يفتح المجال أمام مسارين متوازيين؛ يتمثل الأول في احتمال عرقلة بعض توجهات الإدارة الأمريكية أو إخضاعها لشروط وقيود تشريعية ومالية قد تحد من اندفاعتها نحو تنفيذ خياراتها، فيما يتمثل الثاني في احتمال دفع بعض القوى الإقليمية إلى إعادة النظر في حساباتها الاستراتيجية، والتحرك خارج الأطر التقليدية التي رسمتها واشنطن لعلاقات التحالف والتوازنات في المنطقة..

من خلال قراءة الواقع الحالي للكونغرس بمجلسيه، يمكن القول إن الإدارة الأمريكية ستخضع من الآن فصاعداً لمسار معقد من الرقابة والتحقيق، إضافة إلى التحكم في الاعتمادات المالية والتأثير في إقرار المساعدات دون أن ننسى الضغط السياسي والتشريعي بشأن استخدام القوة العسكرية. وبالتالي، إذا كان هذا الواقع سيؤدي إلى تراجع هامش الثبات الذي كان يعتمد عليه ترامب، فإن ذلك قد ينعكس خفضاً لمستوى الانخراط الأمريكي في الشرق الأوسط أو على العكس من ذلك قد يدفعه إلى زيادة التصعيد الخارجي بهدف إعادة إنتاج القوة الأمريكية.

من جهة أخرى، فإن استمرار الانخراط الأمريكي، إذا ما اقترن بتوسيع نطاق المواجهة أو تبني خيارات تصعيدية لا تأخذ بالاعتبار المصالح الخليجية، فقد يضع هذه الدول أمام مخاطر لا تقل أهمية عن مخاطر تراجع الحضور الأمريكي، خصوصاً في ظل التداعيات التي يمكن أن يتركها السلوك الإسرائيلي على أمن المنطقة واستقرارها.

وإذا حاولنا أن نقتفي أثر الحالتين على الواقع الإقليمي، فإن المعطى الإسرائيلي سيفرض نفسه بقوة، حيث يُظهر الكيان الإسرائيلي استعداداً متزايداً لاستغلال الفرص من خلال تعميق انغماسه في الإقليم. فإذا كان التوجه الأمريكي سيستقر على زيادة مستوى التصعيد، فإن الكيان الإسرائيلي يتحفز من أجل استغلال هذا التصعيد من أجل إكمال مهمة لم ينجح حتى اللحظة في إنهائها. وإذا قاربنا التوجه الأمريكي على أنه سيذهب باتجاه خفض مستوى الانغماس في الإقليم، فإن ذلك سيدفع قادة الكيان أيضاً باتجاه تطوير إستراتيجية أمنية مستقلة تحقق الأهداف والمصالح الإستراتيجية الإسرائيلية وفق عناوين الهيمنة والتفوق ومحاولة ملء الفراغ الذي قد تخلفه الولايات المتحدة الأمريكية.

وعليه، يمكن القول إن الرؤية الإسرائيلية لا تفترض الانكفاء بالتوازي مع أي انكفاء أمريكي محتمل. وبالتالي تدفع هذه الخلاصة باتجاه ضرورة قيام الدول الخليجية بإعادة النظر في طبيعة علاقاتها مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية. فثمة مجموعة من المصالح التي من الممكن أن تشكل أرضية لتفاهمات تتجاوز منطق التنافس الذي ساهمت الولايات المتحدة في تعميقه خدمةً لمصالحها، حيث تبرز الحاجة إلى تجنب اتساع نطاق الحروب وضمان أمن الممرات البحرية وخطوط الطاقة، وكذلك منع تحويل الخليج إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الأمريكية والإسرائيلية مع الجمهورية الإسلامية.

فالمرحلة المقبلة لا يمكن مقاربتها من خلال البحث عن إجابة حول ما إذا كان الحضور الأمريكي في المنطقة سيستمر أو لا، فمن غير الواقعي افتراض خروج أمريكي نهائي من الإقليم، وإنما يُفترض مقاربتها من خلال البحث في كيفية إرساء نظام أمني يدير التوازنات الإقليمية بطريقة قادرة على تحييد أي أثر سلبي يمكن أن يسببه السلوك الأمريكي الذي بات يظهر في الفترة الأخيرة تخلياً عن المقتضيات الأمنية لدول الخليج. فبعد العدوان الأخير على الجمهورية الإسلامية وتداعياته الخطيرة على الدول الخليجية التي ارتضت منذ زمن بعيد تحويل أراضيها إلى قاعدة متقدمة للقوات الأمريكية، بات من الضروري على دول المنطقة تلك أن تبحث عن حلول لمعضلة العلاقة أمنية قد تضحي بأمنها واستقرارها على حساب أولويات ومصالح الكيان الإسرائيلي من خلال محاولة صياغة نظام أمني إقليمي يضع مصالحها على رأس أهدافه. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى