اراء

أقلام تُلمّع.. ومهنية تُغتال

بقلم/ سمير السعد..

تتبدل النتائج في ملاعب الرياضة، وتصعد أسماء إلى منصات التتويج، فيما تغادر أخرى المشهد تحت وطأة الإخفاق. وبين أفراح الانتصارات ومرارة الخسارات، تظل المهنية الإعلامية قيمة يفترض أن تصمد أمام تقلبات المنافسة، وأن تحافظ على استقلاليتها بعيدًا عن الولاءات الشخصية وحسابات المصالح.

عند متابعة الصحافة الرياضية في عدد من الدول الأوروبية والعالمية، يلفت الانتباه أسلوب تناول الشخصيات الرياضية، سواء كانوا لاعبين أو رؤساء أندية أو مسؤولين. فالإشادة ترتبط غالبًا بالإنجاز والأداء والقرارات الناجحة، فيما يتجه النقد نحو الأخطاء والخيارات الإدارية والفنية، مع المحافظة على المسافة المهنية بين تقييم العمل والحكم على الأشخاص. وهذا لا يعني خلو تلك التجارب من الانحياز أو التجاوزات، وإنما يعكس تقاليد إعلامية تحاول الفصل بين الرأي الشخصي والتقييم المهني.

في المقابل، يلاحظ المتابع للمشهد الرياضي العراقي، وفي بعض منصّاته وبرامجه، حضور أنماط مختلفة من الخطاب، إذ يتحول بعض المحللين والكتاب والصحفيين إلى مدافعين عن شخصيات بعينها، فيما يتخذ آخرون موقفاً هجومياً منها، حتى يبدو المشهد وكأنه مواجهة بين فريقين، لكل منهما جمهوره وخطابه وأدواته. وفي خضم هذا الاستقطاب، تتراجع مساحة التحليل الهادئ الذي يضع الوقائع أمام الجمهور ويمنحه فرصة تكوين رأيه.

المشكلة تكمن في تحويل النقد إلى تصفية حسابات، أو تحويل الإشادة إلى حملة ترويجية تتجاوز حدود التقدير المشروع. فالمسؤول الرياضي الذي يحقق نجاحًا يستحق الإشادة بحجم منجزه، والذي يرتكب أخطاءً ينبغي أن يخضع عمله للمساءلة، دون تجريح أو استهداف شخصي. وبين الموقفين مساحة واسعة من الإنصاف، يفترض أن تكون الملعب الحقيقي للصحفي المهني.

وتتردد أحياناً أخبار عن وجود مجموعات إعلامية تتولى الدفاع عن بعض الشخصيات الرياضية عند تعرّضها للانتقاد، وتعمل على تسويق صورتها وإبراز مواقفها الإيجابية، خصوصًا خلال الأزمات. وإذا ثبتت صحة بعض هذه الممارسات، فإنها تثير تساؤلات جدية بشأن استقلالية الخطاب الإعلامي وحدود العلاقة بين المؤسسات الصحفية وأصحاب النفوذ الرياضي.

وفي المقابل، قد يدفع تعثر بعض المسؤولين في إدارة مؤسساتهم إلى البحث عن حضور إعلامي إيجابي يعوض غياب المنجز، أو يصنع انطباعًا مختلفاً لدى الجمهور، كما أن الرغبة في البقاء تحت الأضواء قد تجعل الترويج الشخصي يتقدم على العمل المؤسسي، فتتحول الصورة إلى أولوية، فيما تبقى الملفات الحقيقية بحاجة إلى معالجة.

إن الصحافة الرياضية لا تحتاج إلى خصوم دائمين ولا إلى مريدين، وإنما إلى أقلام شجاعة تعرف متى تشيد ومتى تنتقد، ومتى تنصف ومتى تكشف مواطن الخلل. فالمهنية لا تعني الوقوف في المنتصف لإرضاء الجميع، وإنما تعني الانحياز إلى الوقائع والاحتكام إلى المعايير ذاتها عند تقييم الجميع.

ويبقى السؤال الأكثر إثارة للقلق: عندما يصبح الصحفي مطالبًا باختيار شخصية يدافع عنها بدلاً من اختيار الحقيقة التي يكتب من أجلها، فمن يحاسب المسؤول على إخفاقه، ومن يحمي الجمهور من تزييف الصورة؟

فالرياضة قد تحتمل خسارة بطولة أو إخفاق موسم، لكنها تحتاج دائمًا إلى إعلام يحفظ ثقة الجمهور. وحين تتحول الأقلام إلى أدوات لتلميع الأشخاص أو تصفية الحسابات، يصبح الخاسر الأكبر هو صدقية الإعلام نفسه، وهي خسارة لا تعوضها بطولة ولا تستعيدها حملات الترويج ومصالح الجمهور أولاً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى