اخر الأخباراوراق المراقب

لا تبخلوا فكلنا مسؤولون

تتوالى الأجيال وتتعاقب العصور، فيأتي بعدنا أناس آخرون يكملون المسيرة على هذه الأرض الفانية، وكأننا لم نكن يوماً شيئاً مذكوراً، وما هي إلا أيام وليال معدودة حتى ينتهي المطاف بالجميع تحت طبقات التراب، حيث تتساوى الوجوه وتنمحي الفوارق الزائفة حينها لا بيوت دافئة تحمي، ولا قصور منيعة تقي، ولا مناصب رفيعة ترفع شأناً، ولا مراتب تمنح جاهاً، ولا عزة مستمدة من كثرة ونفوذ، ولا كرامة يدعيها غرور البشر.

كل هذه المظاهر الزائلة تزول وتبدو على حقيقتها، فلا يبقى سوى الواقع الحق، إذ نصير جميعاً هموداً وركوداً تاماً، وجموداً وسكوناً مطبقاً في عتمة اللحود، تهب على مقابرنا الرياح الهوجاء عابرة بلا استئذان، وفي الليالي الحالكة المظلمة تلفّ مضاجعنا الوحيدة الأشباح والظلال، فهذه الحقيقة الماثلة أمام الأبصار تدعو العاقل للتفكر العميق.

وتطالبه بأن يعرف تفاهة التعلق بما يزول، فالإنسان بضعفه أمام عظمة الموت يدرك أن ما يحمله معه حقاً ليس سوى أثره الطيب وعمله الصالح الذي يضيء له عتمة قبره يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، لذا فلنعمل لتلك الساعة التي لا مفر منها، ولنجعل من أعمالنا وذكرياتنا عبقاً جميلاً يسبق رحيلنا المحتوم إلى دار البقاء الأبدي حيث لا ينقضي النعيم ولا تفنى الحياة الحقيقية.

المراوغة والمماطلة من أعظم الحيل التي يستدرج بها الشيطان الإنسان ليوقعه في شباك الخسران والندم، فتجد بعض الناس يرددون عبارات واهية مثل: سنُصلح أنفسنا غدا، وسنصفّي أموالنا في شهر مقبل، وسنعطي حقوق الله في يوم كذا، وهم في الواقع مصابون بالغرور بسبب طول الأمل والغفلة عن سرعة الأجل.

فهل ضمن هؤلاء بأنهم باقون سالمون أو أمنوا مكر الزمان؟ وهل يظن هؤلاء بأن الشيطان المتربص بهم سيتركهم يوماً لتطهير أموالهم وصفاء نفوسهم غداً وبعد غد، وهو الحريص دوما على إبقائهم في دائرة الغفلة والاحتيال؟.

اغتنموا لحظة الحاضر دون إبطاء

إن الموت يأتي بغتة دون استئذان، والتأخير ليس إلا باباً من أبواب العجز والكسل، وحجة للمفرطين الذين يمنون أنفسهم بالأماني الباطلة، فبادروا بالتوبة الخالصة وأدوا ما عليكم من حقوق دون إبطاء أو تسويف، فاليوم عمل بلا حساب وغداً حساب بلا عمل، والعاقل هو من اغتنم لحظة الحاضر قبل أن يفاجئه الندم حين لا ينفع مال ولا بنون، فبادروا بطاعة الله واتركوا التسويف فإنه مهلكة للقلوب والأعمال ومضيعة للفرص.

كيف نبخل بمال الله ونحن نعلم علم اليقين بأن هذه الدنيا دار فناء وزوال واندثار وليست بدار قرار أو ثبات أو بقاء؟، إن ما في أيدينا من نعم وخيرات وأموال إنما هي ودائع ليست ملكنا بل استودعنا إياها الخالق لنُختبر بها، والبخل بما أعطانا الله تعالى ورزقنا به سواء في إطعام فقير أو إعانة محتاج أو أداء حق شرعي، هو عين الخسران والجهل بحقيقة الوجود.

لذلك من الأفضل والأعقل هو المسارعة إلى تقديم العطاء ومواصلة إنفاق المال في طاعة الله ومساعدة كل ذي حاجة من الناس، لكي نضمن لأنفسنا السعادة الحقيقية الأصيلة وليست المزيفة والنعيم المقيم في الدار الآخرة، حيث ينفعنا ما قدمناه لأنفسنا هناك يوم لا ينفع الإنسان إلا عمله، وحينها ندرك أن البخيل ما جمع إلا لغيره وما أخذ معه شيئاً.

إن كلمة (سوف) والمماطلة والتأجيل هم أعظم مصادر الحسرة والندم لأهل النار، فكم من إنسان غره طول الأمل فسوّف التوبة والعمل الصالح حتى فاجأه الأجل، وقد لاحظنا كثيراً من البشر ممن كانوا يرددون عبارات الوعود المؤجلة كقولهم: سنفعل وسنبادر غداً، لكن الموت لم يمهلهم ليدركوا ما تمنوه، ورحلوا عن هذه الدنيا محملين بالأثقال والتحسر على ما فرطوا.

لنتّعظ من مصارع الغافلين

وها هم اليوم في عذابهم الدائم لا يجدون مفراً سوى ترديد تلك الصرخة المدوية بندم لا ينفع: (رب أرجعوني لعلي أعمل صالحاً فيما تركت)، يتمنون لو يعودون للحياة ليعوضوا ما فاتهم من طاعة وعمل، فلنتعظ من مصارع الغافلين، ولنحذر فخ المراوغة والاعتماد على كلمة (سوف)، فالعمر قصير والأجل محتوم، وماضٍ نحن دونه مسرعون، فلا ندري متى تنقطع الأنفاس، فبادروا بفعل الخير اليوم قبل أن يأتي يوم لا يندم فيه العاصي إلا بعد فوات الأوان.

تكمن حقيقة المال في زواله وفنائه، فحين ينظر العاقل يدرك يقيناً أن المال لا يبقى لأصحابه، بل الحقيقة الأصدق أن أصحاب المال لا يبقون للمال، إذ تفارق الأرواح الأجساد وتبقى التركات لمن بعده، وهنا تبرز الضرورة القصوى والحكمة البالغة في مسارعة الناس لأداء الواجبات، والاهتمام البالغ بإخراج ما في ذممهم من حقوق الله تعالى وحقوق العباد.

قبل أن يباغتهم الأجل المحتوم من دون سابق إنذار، فالأعمار لا يمكن تحديدها بتوقيت ولا تأجيلها، وهذه الحقيقة الواضحة تدعو الجميع إلى أن يبادروا بتطهير الذمم والنفوس قبل مجيء ذلك اليوم العصيب الذي لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة، حيث لا ينفع الندم.

بالنتيجة يتضح للإنسان بأن الالتزام بأداء الحقوق وإنفاق الأموال في وجوه الخير ليس مجرد تطهير للذمم فحسب، بل هو الركيزة الكبرى لبناء مجتمع متكافل ومترابط تفيض فيه روح المحبة والعدالة، وحين تجود الأيدي بالعطاء، تنمحي الفوارق القاسية وتزدهر الأوطان، لنلقى الله بقلوب سليمة وذمم بريئة من تبعات التقصير، فالعطاء الحقيقي هو الباقي، والعدل الاجتماعي هو حصننا المنيع في الدنيا والآخرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى