اخر الأخباراوراق المراقب

حقك في الغياب

كمال عبيد..

ثمة لحظة لا يطلب فيها الإنسان شيئاً من العالم، ولا ينتظر منه شيئاً. يضع هاتفه جانباً، أو يغلقه، ثم يعود إلى عمل كان قد تركه، أو يجلس مع أفكاره، أو يتأمل ما حوله. لا يحدث في الخارج تغير يستحق الانتباه؛ الرسائل تواصل وصولها، والأعمال تنتظر، والأشخاص يمضون في يومهم. ومع ذلك يشعر بشيء يشبه استعادة مساحة مفقودة. كأن باباً ظل مفتوحاً طويلاً أُغلق أخيراً، فعاد المكان إلى صاحبه.

تستحق هذه الراحة تفسيراً يتجاوز القول إن الإنسان تعب من الهاتف. فربما لم يكن متعباً من الجهاز، ولا من التواصل ذاته، وإنما من الحالة التي فرضها الاتصال المستمر على وجوده. لقد أصبح قادراً على الوصول إلى عوالم كثيرة، وصار في المقابل مُطالَباً بأن يكون متاحاً لتلك العوالم. تتصل به المؤسسة خارج ساعات العمل، وتنتظره الأسرة في مجموعة المحادثة، ويستدعيه صديق بسؤال، ويطلب منه زميل رأياً، وتضع الأخبار أمامه أحداثاً لا تنتهي. تتوالى هذه المطالب من دون أن تتفق على موعد، وتلتقي جميعها في جهاز واحد يحمله الإنسان معه أينما ذهب.

المفارقة أن الهاتف منح الإنسان قدرة غير مسبوقة على الحضور، ثم جعل هذا الحضور نفسه مصدراً لضغط متزايد. لم تعد المسافة عائقاً أمام الوصول إليه، ولم يعد انتهاء الدوام يعني بالضرورة انتهاء علاقته بالعمل، ولم تعد مغادرة المكان كافية للانفصال عن مطالبه. صار العالم قادراً على ملاحقته عبر الشاشة، فيما أخذت حياته الخاصة تفقد بعض الحدود التي كانت تحميها.

المشكلة لم تعد في عدد الرسائل التي تصل إلى الإنسان، وإنما في عدد الأدوار التي يُطلب منه أن يؤديها في الوقت نفسه. فهو قد يجلس في منزله، فيما يظل جزء من انتباهه معلقاً بعمل لم ينتهِ، وجزء آخر ينتظر رداً عائلياً، وثالث يتابع شأناً عاماً، ورابع يحاول الاحتفاظ بخيط فكرة بدأها قبل وصول الإشعار الأخير. جسده في مكان واحد، لكن حضوره موزع على أماكن عديدة. وكل انتقال بين هذه العوالم يقتطع شيئاً من انتباهه، حتى يصبح من الصعب عليه أن يمنح اللحظة التي يعيشها كامل وجوده.

يمكن تسمية هذه الحالة بـ«تعدد الحضور». وهي لا تعني تعدد المسؤوليات وحده، فذلك جزء طبيعي من الحياة، وإنما تعني تداخلها داخل اللحظة نفسها، حتى يفقد الإنسان القدرة على الفصل بينها. لقد أصبحت الأدوار الاجتماعية والمهنية والعائلية قادرة على استدعائه في أي وقت، وأصبح الهاتف الواجهة التي تتجمع عندها هذه الاستدعاءات. ومن ثم فإن ما يبدو اتصالاً بين أشخاص قد يتحول إلى منافسة مستمرة على انتباه شخص واحد.

حق غير معلن

تتجاوز المسألة حدود الاستخدام الفردي إلى علاقة المجتمع بالوقت الشخصي. فقد نشأ مع الاتصال الفوري توقع اجتماعي غير مكتوب: ما دمت تحمل هاتفاً، فمن المفترض أن تجيب. وإذا تأخرت، فقد تحتاج إلى تفسير. وإذا لم ترد، قد يُفهم صمتك على أنه إهمال أو تجاهل أو ضعف اهتمام. وهكذا انتقلت سهولة الوصول تقنياً إلى توقع بالحضور اجتماعياً.

لكن القدرة على الاتصال بشخص لا تمنح صاحب الاتصال حقاً مطلقاً في وقته. هذه نقطة تستحق إعادة النظر؛ لأن التكنولوجيا اختصرت المسافة بين الناس، لكنها لم تُلغِِ حق كل فرد في تنظيم حياته. فالعلاقة الإنسانية لا تقاس بسرعة الرد وحدها، والالتزام المهني لا ينبغي أن يتحول إلى استعداد دائم، والاهتمام بالآخرين لا يتطلب إلغاء الحدود الشخصية.

قد يكون الإنسان مسؤولاً عن عمله، ومخلصاً لأسرته، وحريصاً على أصدقائه، مع احتفاظه بوقت لا يجيب فيه عن أحد. لا تعارض بين الوفاء للمسؤولية وامتلاك مساحة خاصة، كما لا ينبغي أن يصبح التأخر في الاستجابة دليلاً تلقائياً على التقصير. فالمجتمع الذي يساوي بين سرعة الرد وصدق العلاقة يختزل الروابط الإنسانية في مؤشر تقني، ويتجاهل ما تمنحه الثقة من قدرة على الانتظار.

من هذه الزاوية يمكن فهم (حق الإنسان في الغياب) باعتباره امتداداً لحقه في الخصوصية والاستقلال. إنه حق في تحديد شروط الحضور، وفي اختيار الأوقات التي يستجيب فيها، وفي الاحتفاظ بمساحة لا تخضع للمطالب المتتابعة. ولا يتعلق الأمر بغياب مطلق أو انسحاب من الواجبات، وإنما بحدود معقولة تفصل بين الضرورة والاعتياد، وبين المسؤولية والاستنزاف.

فالطبيب الذي يتلقى نداءً طارئاً يختلف عن موظف يُطلب منه متابعة رسالة إدارية غير عاجلة بعد انتهاء دوامه، والأب الذي يحتاج طفله إلى مساعدته يختلف عن شخص ينتظر تعليقاً فورياً على منشور. جمع هذه الحالات في مستوى واحد يجعل كل طلب عاجلاً، وكل تأخر موضع مساءلة، وكل وقت خاص قابلاً للاقتطاع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى