ترامب يستنجد بالخلاص من الحرب

بقلم: الدكتور أحمد الشامي..
يتمنى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لو أن زوجته توكزه لتوقظه، فيكتشف أن ما يجري معه ليس سوى كابوس ثقيل، فيشرب قليلًا من الماء، ويعود إلى نوم هانئ، مطمئنًا إلى أن كل ذلك لم يكن سوى أضغاث أحلام. فما كان يظنه نزهة عسكرية خاطفة، انقلب إلى كابوس طويل، تتكاثر فيه الأبواب الموصدة، وتتضاءل أمامه مخارج النجاة.
لم تكن الحرب على إيران هدفًا أمريكيًا مباشرًا، ولا مطلبًا ملحًّا. فقد حاول الأمريكي جاهدا بأن يُحكم طوقه حول إيران بذريعة سعيها إلى امتلاك السلاح النووي، وأن يوظّف هذا التهديد لابتزاز دول الخليج، تحديدًا، تحت عنوان حمايتها من جارٍ نووي غادر.
وهكذا، تحوّلت إيران إلى فزّاعة نووية تُستحضر كلما اقتضت المصالح الأميركية، وإلى ذريعة دائمة لجني الأموال تحت لافتة الحماية. يأتيهم بين حين وآخر ليجني الغلّة، ثم يعود إلى جمهوره متباهيًا بأنه انتزع لهم ما يضمن استمرار رفاهيتهم.
وحده نتنياهو جعل من إيران التهديد الوجودي الأول. فقد أدرك أن كل ما أنجزه في غزة ولبنان وسورية لم يتجاوز نتائج آنية، يستحيل أن ترتقي إلى مستوى الإنجاز الاستراتيجي، ما لم يُقدم على ما يسميه قطع رأس الأفعى، كما دأب على التصريح مرارًا. كان يرى في تلك الإنجازات انتصارات ناقصة، وفي كل جبهة خمدت نيرانها جمرة قابلة للاشتعال من جديد؛ لذلك لم يكن يريد إخماد الحرائق، بل الوصول إلى مصدر النار.
ولتحقيق ذلك، أراد نتنياهو، عن سابق إصرار، أن تكون الحرب مشروعًا مشتركًا بينه وبين الأميركي، فجاءه محاطًا بسحرته من كبار مسؤولي الأجهزة الأمنية، وأغرقوه بأوهامهم عن سقوط النظام الإيراني في غضون أيام قليلة. وسرعان ما استجاب ترامب، بمشورة معاونين عيّنهم، بعدما اختارهم اللوبي الصهيوني.
لكن السحر الذي أُريد له أن يبتلع إيران ارتدّ على ساحره. فإذا بترامب، الذي ظن أنه يمسك بخيوط الحرب، يكتشف أنه وقع في شباكها، وأنه غارق في بحر لا تبدو له شواطئ قريبة. فبعدما كان عونًا لنتنياهو وكيانه اليميني المتطرف، يسعى إلى إنقاذهما من ورطة حروب لا تتوقف، إذا به اليوم يستنجد بهما لإخراجه من مستنقع يزداد عمقًا واتساعًا.
كيف ذلك؟
يعود الوسطاء، بعد كل مسعى ولقاء، بجواب إيراني واضح: على ترامب أن يطلب من حليفه الودود نتنياهو وقف جميع جبهات الحرب، والانسحاب من المناطق التي احتلها، من دون قيد أو شرط، وعندها فقط يمكن أن يبدأ مسار الحل النهائي لهذه الورطة الكبرى.
لقد تبدّلت المواقع، واختلطت أوراق القوة، ولم يعد السؤال من يملك قرار الحرب فحسب، بل من يملك قرار إنهائها، ومن سيدفع ثمن العجز عن ذلك.
فهل يفعلها نتنياهو ويستجيب لصاحبه فتسقط المقولة التي طالما ردّدها الناس: «شريك اليهودي خاسر»؟ أم تصدق هذه المقولة، فيكتب التأريخ ذات يوم أن الكيان «الإسرائيلي»، الذي أوجده الغرب الأمريكي لحماية هيبته وصون مصالحه، كان هو نفسه السبب في تبديد تلك الهيبة وإهدار تلك المصالح؟



