المهاجرون المنسيون خارج الوطن ..

بقلم/ منهل عبد الأمير المرشدي..
قرابة الخمسة ملايين عراقي يعيشون خارج الوطن في شتى أرجاء المعمورة كانوا قد هاجروا هربا من الموت الذي يلاحقهم زمن النظام البعثي المقبور وما لحقهم إثر الغزو الأمريكي للعراق بعد العام 2003 وما تبعه من جرائم العصابات التكفيرية العربية والمحلية وعصابات دا//عش الإرهابية . جميعهم هاجروا بحثا عن الأمان أو لقمة العيش أو العلاج . لكنهم اليوم يجدون أنفسهم خارج حسابات أرباب السياسة والسردية الرسمية في العراق لا بل حتى لم يكن لهم ذكر حملات الدعاية الانتخابية للبرامج الوهمية للأحزاب . لقد أمسوا فعلا “المهاجرون المنسيون” خارج الوطن . مواطنون يحملون الهوية العراقية والإرث العراقي والذكريات واللهجة العراقية من حيثما لجأوا من ربوع الوطن الحبيب حتى الأكراد الذين يمثلون أغلبية المهاجرين في أوروبا تعرف عراقيتهم ما إن يتحدثوا معك . ما يجمع بين العراقيين المهاجرين أنهم يدفعون اليوم أثمان الغياب القسري عن محطات نشأتهم وذكرياتهم وسنوات عمرهم من دون أن ينالوا هامشا في ذاكرة أصحاب القرار خصوصا أصحاب الكفاءات والعقول الإبداعية التي تأمل أن تنال موقعها في عملية البناء والإعمار ، المؤلم أن الإهمال لم يتوقف عند هذا الحد إضافة الى حدود البيروقراطية أو التعقيد الإداري الذي يلاحقهم في الإجراءات الإدارية عند حاجتهم إليها بل وصل إلى لحظة مساس مباشرة بحق دستوري متمثلا بحق التصويت في الانتخابات النيابية العامة . ليس من المعقول أن تُبنى منظومة سياسية كاملة على عبارة الصندوق الانتخابي وهو الكلمة ثم يُصادر حق المهاجرين حتى إشعار آخر . وبعيدا عن تفاوت الاهتمام بهذا الشأن من شخص الى آخر إلا أنه ذو تأثير خطير في الجانب النفسي والسياسي فحين تُهمل فئة من المجتمع كأنما هو إهمال لفكرة المواطنة . المهاجرون ليسوا ملحقا بالدولة بل هم جزء من المجتمع العراقي وقد استثمر أغلبهم في وطنهم بجهدهم وعقولهم وعرقهم رغم أن الكثير منهم لم يعودوا يهتمون بالتصويت في الانتخابات لا لأنهم فقدوا حب الوطن بل لأنهم أدركوا بعد تجارب متكررة أن شكل الحكومة ورئيس الحكومة لا علاقة له بنتائج التصويت بقدر ما هو مرهون بـالمحاصصة السياسية التي تجعل الصوت مجرد رقم ضمن صفقة متفق عليها فضلا عن أن الانتخابات أمست فرزا لولاءات طائفية وسياسية وعشائرية وحتى شخصية ، إن إهمال المهاجرين يتجاوز الانتخابات ليصل إلى معنى أوسع فالمواطنة لا تُقاس بوجودك الجغرافي بل بحقك في أن تبقى الدولة مسؤولة عنك حتى وأنت مهاجر في عالم الغربة وهذا ما نشهده في تبني دول العالم لأبنائها حيثما كانوا بعيدين عنها . لقد عانى بعض العراقيين المهاجرين حتى في نقل جثامين موتاهم إلى ثرى الوطن . ومع أن الكثير من العراقيين يتحدثون عن كرامة الموت إلا أن الكرامة يجب أن تُترجم إلى واجب مؤسسي فمن حق العراقي على الأقل أن تضمن له الدولة عبر سفارتها نقل جثمانه إلى أرض الوطن متى وافاه الأجل في البلد الذي يقيم فيه . ليس صدقة ولا منحة ولا مساعدة أو لاجتهاد مسؤول هنا أو هناك . بل حق إنساني وسيادي يليق بدولة تقول إنها تحمي مواطنيها وأن يكون ذلك على حساب الدولة العراقية بكامل التفاصيل المادية والنقل والإجراءات . ليس معقولا أن يتحول موت مواطن مهاجر إلى عبء مالي مضاعف على عائلته . إن ذلك هو حد أدنى من الوفاء لمواطنة المهاجر ويحتاج قرارا واضحا وإطارا قانونيا يُلزم به الجهات المعنية في الحكومة والخارجية العراقية . لا يجوز أن يبقى نقل الجثامين رهينة المزاج أو الاجتهاد أو القدرة الفردية . المهاجرون المنسيون خارج الوطن لم يغادروا لأنهم تخلوا عن العراق بل لأن العراق في يوم ما تخلّى عنهم ولم يوفر لهم شروط البقاء الكريم . لا يحق للدولة أن تتجاهل حقهم في التصويت وحقهم في ألّا يتحول موتهم إلى كلفة تُلقى على عائلاتهم . إن الوطن الذي لا يحمي أبناءه أينما كانوا لا يطلب منهم الولاء بل يزرع الاغتراب..رسالة لمن يهمّه الأمر.



