مصدرية القرآن الكريم وتعدد النتائج المعرفية

السيد فاضل الموسوي الجابري..
يحتل القرآن الكريم موقعًا مركزيًا في البناء المعرفي للفكر الإسلامي؛ إذ تستند إليه المدارس والاتجاهات والمذاهب الإسلامية في تأسيس تصوراتها العقدية والتشريعية والأخلاقية، وفي تحديد مواقفها من الإنسان والكون والحياة. وتنبع هذه المكانة من الاعتقاد الإسلامي بأن القرآن كلام الله المنزل على النبي محمد صلى الله عليه وآله، وأنه يمثل مرجعية إلهية عليا في شؤون العقيدة والهداية والتشريع والقيم. غير أن الاشتراك في هذه المرجعية لم يؤدِّ إلى وحدة النتائج التي انتهت إليها المدارس الإسلامية، بل شهد تأريخ الفكر الإسلامي اختلافات واسعة في مسائل العقيدة والفقه والتفسير والفلسفة والرؤية الكونية، الأمر الذي يثير إشكالية معرفية تتعلق بطبيعة العلاقة بين وحدة المصدر وتعدد الفهم والنتائج المترتبة عليهما.
وتقتضي معالجة هذه الإشكالية الانتقال من بيان مكانة القرآن الكريم وخصائصه المرجعية إلى تحليل الكيفية التي يتحول من خلالها النص القرآني إلى معرفة بشرية، والكشف عن العوامل التي تؤثر في فهمه وتفسيره واستنباط دلالاته. فالإقرار بقداسة النص وحجيته لا يحسم جميع المسائل المتعلقة بفهم دلالاته، كما أن اتفاق المدارس الإسلامية على مرجعيته لا يعني اتفاقها على المناهج والقواعد التي تعتمدها في تفسيره.
وعلى هذا الأساس، تنطلق هذه الدراسة من فرضية مُفادها أن تعدد النتائج المعرفية في الفكر الإسلامي يرتبط في جانب مهم منه بتعدد البنى المعرفية والمقدمات العقدية والمناهج التأويلية التي تتوسط بين النص القرآني والنتائج المستنبطة منه. وسوف نسعى إلى تحليل مصدرية القرآن الكريم وخصائصها، وبيان أثر هذه الخصائص في بناء المعرفة، ثم نوضح الفارق بين قداسة النص وقابلية الفهم البشري للخطأ والمراجعة.
أولًا: القرآن الكريم ومفهوم المصدرية المعرفية
تشير المصدرية المعرفية إلى المكانة التي يحتلها مصدر معين في تأسيس المعرفة وتوجيهها وتحديد الأصول التي تنطلق منها عملية الفهم والاستدلال. وفي الفكر الإسلامي، يحتل القرآن الكريم مرتبة مرجعية أساسية؛ إذ يستمد منه التصور الإسلامي أصولًا تتعلق بالله تعالى والإنسان والكون والحياة، فضلًا عن المبادئ التشريعية والأخلاقية التي تنظم علاقة الإنسان بخالقه وبنفسه وبالمجتمع.
وتتجاوز الوظيفة المعرفية للقرآن الكريم تحديد جملة من المعتقدات والأحكام إلى الإسهام بتشكيل الرؤية التي يفهم الإنسان من خلالها الوجود وغاياته ومسؤوليته. فالقرآن يدعو إلى التفكر والتدبر والنظر في الآفاق والأنفس، ويؤكد أهمية العلم والبرهان والتثبت من الأخبار، الأمر الذي يجعل المرجعية القرآنية ذات أبعاد عقدية وتشريعية وقيمية ومنهجية.
ثانيًا: الخصائص المعرفية لمصدرية القرآن الكريم
تستند مركزية القرآن الكريم في الفكر الإسلامي إلى مجموعة من الخصائص التي تسهم بتحديد مكانته المرجعية وطبيعة المعرفة المستمدة منه.
1. القدسية والمصدرية الإلهية
تُعد القدسية من أهم خصائص المصدرية القرآنية؛ إذ يؤمن المسلمون بأن القرآن وحي إلهي، وأن صدقه لا يتوقف على موافقة البشر له أو اختلافهم في تفسيره. قال تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (فصلت: 42).
وتمنح هذه الخاصية القرآن منزلة مرجعية متميزة في البناء المعرفي الإسلامي، بحيث تُعرض التصورات والاجتهادات البشرية على أصوله ودلالاته وفق قواعد الاستدلال المعتمدة. غير أن قداسة النص لا تنتقل تلقائيًا إلى تفسير الإنسان له؛ لأن التفسير فعل معرفي يقوم به المفسر من خلال أدواته ومقدماته، ويظل قابلًا للفحص والنقد والتصحيح.
2. يقينية المصدر وثبوت النص
تتصل هذه الخاصية بالاعتقاد بأن القرآن وحي إلهي، وبثبوت النص القرآني المتداول بالتواتر. غير أن البحث المعرفي يقتضي التمييز بين ثبوت النص ودرجة دلالته على معنى معين. فثبوت النص لا يعني بالضرورة أن جميع دلالاته التفصيلية قطعية، إذ تتفاوت النصوص من حيث الوضوح والاحتمال، وقد تختلف اجتهادات العلماء في تحديد المعنى الراجح.
وعليه، توفر يقينية المصدر وثبوت النص أساسًا مرجعيًا مستقرًا، بينما يحتاج الانتقال من النص إلى النتائج التفصيلية إلى دراسة لغوية وتفسيرية وأصولية تراعي طبيعة الدلالة وقوة الأدلة.
3. الشمولية واتساع المجال المرجعي
يتناول القرآن الكريم موضوعات متعددة تتصل بالعقيدة والعبادة والأخلاق والتشريع والعلاقات الاجتماعية والإنسان والكون والتأريخ. وتتيح هذه السعة بناء رؤية مترابطة للحياة الإنسانية، تتداخل فيها الأسئلة الدينية والأخلاقية والاجتماعية.
4. الهداية والتوجيه المعياري
يمتاز الخطاب القرآني باقترانه بالهداية والتوجيه الأخلاقي؛ فهو لا يقتصر على الإخبار، بل يتضمن أوامر ونواهٍ ومبادئ تتعلق بالعدل والأمانة والرحمة والوفاء والمسؤولية.
5. الثبات وإمكانية التجديد
يتميز النص القرآني بالثبات، في حين تتغير الوقائع الإنسانية وتتجدد الأسئلة التي تواجه الفكر الإسلامي. وينشأ عن ذلك مجال للاجتهاد في فهم النصوص وتطبيق مبادئها على المستجدات، مع المحافظة على المرجعية القرآنية.
6. تحفيز العقل والتدبر والاستدلال
يدعو القرآن الكريم إلى التدبر والنظر والاعتبار وإقامة البرهان، وينهى عن اتباع ما لا يستند إلى علم. قال تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (البقرة: 111).
ثالثًا: التمييز بين قداسة النص وبشرية التفسير
يمثل التمييز بين النص القرآني والفهم البشري له نقطة محورية في دراسة مصدرية القرآن الكريم. فالنص، وفق الاعتقاد الإسلامي، كلام الله ومرجعية إلهية مقدسة، أما التفسير فهو نشاط معرفي يمارسه الإنسان بهدف الكشف عن دلالات النص وفهم مقاصده واستنباط أحكامه.
ويخضع هذا النشاط لجملة من العوامل، منها المعرفة باللغة العربية، والمناهج التفسيرية، والمقدمات العقدية، والأصول الكلامية، ومصادر الرواية، والسياقات التأريخية والثقافية التي يعمل المفسر ضمنها.



