نتنياهو قد يخسر الكنيست قبل خسارة الحكومة.. معركة السلطة تبدأ بعد الانتخابات

بقلم: د. ميساء المصري..
كل هزيمة انتخابية لا تعني سقوطا فوريا بالضرورة، وكل صدارة في صناديق الاقتراع ليست انتصاراً سياسياً كذلك. وفي كيان إسرائيل، حيث تتشابك الحسابات الحزبية مع التعقيدات الدستورية، قد يجد بنيامين نتنياهو نفسه أمام مفارقة غير مألوفة، الاحتفاظ مؤقتاً بمكتب رئيس الحكومة، مقابل فقدان السيطرة على المؤسسة التشريعية التي طالما شكّلت ركيزة أساسية لنفوذه. وهنا تحديداً تكمن أهمية المرحلة المقبلة، فالمعركة لم تعد محصورة في عدد المقاعد، بل انتقلت إلى مَن يمتلك القدرة على إعادة تشكيل قواعد اللعبة السياسية.
دعونا نحلل الأحداث بروية، وفقا للقانون الدستوري الإسرائيلي، ووفق الأرقام المتداولة، تراجعت كتلة الائتلاف الحاكم من 68 مقعداً إلى نحو 54 مقعداً في النتائج الأولية. لكن هذه الأرقام لا ينبغي التعامل معها بوصفها حصيلة نهائية، إذ أظهرت النتائج المتتالية، استمرار تقدم معسكر نتنياهو بنحو 53 مقعداً، مقابل 48 للكتلة التي يقودها غادي آيزنكوت، فيما حصدت الأحزاب العربية مجتمعة نحو 19 مقعداً، مع استمرار فرز الأصوات. وتحتاج الأغلبية في الكنيست إلى 61 مقعداً.
سياسياً، لا تعني هذه المعطيات أن نتنياهو غادر السلطة، لكنها تكشف أن الاحتفاظ بأكبر كتلة لا يكفي وحده لتأمين استمرار الحكم. فالحكومة تحتاج إلى قاعدة برلمانية قادرة على منحها الثقة وتمرير التشريعات، وليس إلى مجرد تصدر قائمة الأحزاب.
إن جوهر المأزق يتمثل في اتساع الفجوة بين التفوق العددي النسبي والقدرة الفعلية على الحكم. وقد تتحول هذه الفجوة إلى مصدر ضغط على نتنياهو، خصوصاً إذا عجز عن استقطاب حلفاء جدد أو منع خصومه من تنسيق مواقفهم.
تكتسب المرحلة التي تلي أداء الكنيست الجديد اليمين الدستورية، أهمية تتجاوز مراسم انتقال السلطة. فالبرلمان يستطيع مباشرة أعماله التشريعية والرقابية حتى قبل اكتمال تشكيل حكومة جديدة، ما يفتح الباب أمام إعادة ترتيب موازين القوة داخل المؤسسة التشريعية.
وإذا نجحت الكتل المناوئة لنتنياهو في بناء أغلبية فعلية، فقد يصبح بمقدورها الدفع نحو تغيير رئاسة الكنيست، ومراجعة تشريعات الإصلاح القضائي، وطرح تعديلات قانونية، والتحرك لإقامة لجنة تحقيق رسمية في إخفاقات السابع من أكتوبر.
لكن امتلاك الأغلبية العددية لا يعني أن جميع هذه المبادرات ستُمرر تلقائياً، فكل إجراء يخضع لمتطلباته القانونية والتشريعية، وقد تختلف الأغلبية المطلوبة من تصويت إلى آخر. كما أن جمع أحزاب متباينة في المواقف والبرامج ضمن جبهة واحدة لا يضمن استمرار وحدتها عند مواجهة الملفات الأكثر حساسية.
ومع ذلك، فإن مجرد انتقال مركز الثقل التشريعي من معسكر إلى آخر يمكن أن يحد من قدرة الحكومة الانتقالية على فرض أجندتها، ويحوّل البرلمان إلى ساحة لمساءلة السياسات التي انتهجتها الحكومة السابقة.
وفي النظام البرلماني الإسرائيلي، لا يُحسم تشكيل الحكومة تلقائياً لصالح الحزب الذي حصل على أكبر عدد من المقاعد. فالرئيس الإسرائيلي يجري مشاورات مع ممثلي الكتل، ثم يكلّف عضو الكنيست الذي يراه الأقدر على تشكيل حكومة تحظى بثقة البرلمان.
وتبرز هنا أهمية التوصيات البرلمانية، لكنها ليست العامل الوحيد في الحسابات السياسية، إذ تظل قدرة المرشح على بناء ائتلاف قابل للحياة، أو على تأمين الأصوات اللازمة لنيل الثقة، هي الاختبار الحاسم.
وبهذا المعنى، قد يصبح آيزنكوت مرشحاً جدياً لتشكيل الحكومة إذا تمكن من جمع دعم برلماني كافٍ، لكن الطريق أمامه لن يكون معبّداً. فالمعارضة ليست كتلة متجانسة، بل تجمع قوى تختلف في مواقفها من الأحزاب العربية، والتجنيد العسكري، والقضايا الدينية، والسياسات الأمنية.
إن التحدي أمام آيزنكوت ليس جمع الأصوات المناهضة لنتنياهو فحسب، بل تحويلها إلى صيغة حكم تستطيع الصمود أمام أول اختبار سياسي حقيقي.
وتفرض المقاعد العربية نفسها بوصفها عاملاً مركزياً في معادلة تشكيل الحكومة. فوفق التوزيع الأولي المتداول، يمكن للأحزاب العربية أن تؤثر بصورة حاسمة في الحسابات البرلمانية إذا توصلت إلى تفاهمات مع الكتل الأخرى.
لكن هذه القوة تضع المعارضة أمام اختبار سياسي واضح وهو مدى تقبل التعاون مع الأحزاب العربية باعتبارها مكوّناً من مكونات البرلمان، او الاستفادة من أصواتها لإعادة تشكيل الحكومة مع إبقائها خارج دائرة المشاركة السياسية.
في المقابل، لا تتحول المقاعد العربية إلى نفوذ فعلي بمجرد ارتفاع عددها، إذ يتطلب الأمر تنسيقاً في المواقف، وتحديداً للأولويات، وصياغة مطالب قابلة للتفاوض والتنفيذ. كما ينبغي التمييز بين المشاركة في الحكومة، وتقديم شبكة أمان برلمانية لها، والامتناع عن التصويت في بعض الاستحقاقات. فلكل صيغة شروطها ومخاطرها وحدود تأثيرها.
ومن هنا، فإن أهمية التمثيل العربي لا تُقاس فقط بقدرته على ترجيح كفة مرشح، بل أيضاً بقدرته على تحويل الوزن الانتخابي إلى تأثير تشريعي وسياسي مستدام.
اذن، قد يلجأ نتنياهو إلى محاولة استقطاب بعض خصومه، أو الدفع نحو حكومة وحدة وطنية، أو إبقاء خيارات الانتخابات المبكرة مفتوحة. وقد يسعى في المقابل إلى تصوير التعاون مع الأحزاب العربية باعتباره عائقاً أمام تشكيل حكومة مستقرة.
لكن أياً من هذه المسارات لا يضمن له استعادة الأغلبية. فحكومة الوحدة تحتاج إلى تسوية بشأن رئاستها وبرنامجها وأولوياتها، فيما قد يؤدي استمرار الجمود إلى تمديد عمر الحكومة الانتقالية وفتح الباب أمام جولة انتخابية جديدة.
والأهم أن بقاء نتنياهو رئيساً لحكومة انتقالية لا يمنحه بالضرورة حرية سياسية مطلقة، إذ تظل صلاحيات الحكومة الانتقالية خاضعة للقانون والرقابة القضائية والقيود المؤسسية ذات الصلة. وفي المقابل، لا يعني تراجع نفوذه التشريعي أن مؤسسات الدولة ستتوقف عن أداء وظائفها أو أن جميع سياساته ستتغير تلقائياً.
وتكشف الانتخابات الإسرائيلية أن الأزمة أعمق من صراع بين نتنياهو وآيزنكوت. إنها أزمة قدرة النظام الحزبي على إنتاج أغلبية مستقرة، وقدرة كل معسكر على تحويل الأرقام إلى تحالفات، والتحالفات إلى ثقة برلمانية، والثقة إلى حكم فعلي.
فالانتخابات تحدد مَن يدخل الكنيست، أما معركة ما بعدها فتحدد مَن يملك مفاتيح السلطة، ومَن يستطيع تغيير قواعدها، ومَن سيجد نفسه مضطراً إلى الحكم من دون الأغلبية التي اعتاد الاتكاء عليها.



