اراء

خطوة في الاتجاه الصحيح ولكن…!

بقلم: حسن نافعة..

كانت طبول الحرب ما تزال تدق في منطقة الشرق الأوسط، وبطريقة توحي بأن قرار استئناف الحرب على إيران قد اتُخذ بالفعل وبالتالي لم يعد الحديث يدور حول ما إذا كانت المنطقة ستشهد حرباً جديدة أم لا، وإنما أصبح محصوراً حول توقيتها وما إذا كانت الجولة القادمة ستنشب قبل الانتخابات الإسرائيلية والأمريكية أم بعدهما.

فجأة، ومن دون سابق إنذار، أعلنت طهران عن وصول وفد رفيع المستوى يوم الاثنين الماضي (26/10/2026) يضم كلاً من: خالد بن سلمان، وزير الدفاع السعودي، وعاصم منير، قائد الجيش الباكستاني، وإبراهيم قالن، رئيس الاستخبارات التركية، وأنه سيجري لقاءات مع رئيس الجمهورية وكبار القادة الإيرانيين، ما شكّل مفاجأة مذهلة لكافة المراقبين، وأثار تساؤلات حائرة حول دوافع وأهداف ودلالات هذه الزيارة غير المتوقعة وما قد تفضي إليه من نتائج.

الواقع أنه يصعب تصور حدوث خطوة على هذه الدرجة من الأهمية من دون تشاور مسبق مع الرئيس ترامب. ومع ذلك، فليس من المستبعد أن تكون الدول الأطراف في “حلف مكة” هي التي بادرت إلى اتخاذها، إحساساً منها بأن اندلاع جولة جديدة من القتال بين الولايات المتحدة و”إسرائيل”، من ناحية، وإيران من ناحية أخرى، ستكون له نتائج مختلفة عن كل الجولات السابقة، وخصوصاً أنها قد تفضي إلى ضرب البنى التحتية لدول المنطقة، بكل ما تنطوي عليه من جسور ومرافق للسكك الحديد ومصادر للطاقة ومحطات لتحلية المياه، ما قد يؤدي إلى تحولها بسرعة إلى حرب إقليمية شاملة، يرجّح أن تكون الدول العربية والإسلامية أكبر الخاسرين فيها.

إذا تبيّن أن ترامب هو من أوحى بهذه المبادرة، أو كان على علم مسبق بها، فربما يعبّر ذلك عن إدراك متزايد من جانبه بأنه يواجه مأزقاً يتعمق بمرور الوقت، وأن الخروج منه يتطلب حلاً وسطاً يأخذ في اعتباره مصالح دول المنطقة، وليس مصالح “إسرائيل” وحدها كما اعتاد دائماً. ولأنه لا يستطيع التوصّل إلى حل وسط في ظل فجوة الثقة التي تتسم بها علاقته بطهران، فربما يكون قد لجأ إلى زعماء الدول الأطراف في “حلف مكة”، وجميعهم أصدقاء للولايات المتحدة وله شخصياً، لاستكشاف آفاق الحلول الممكنة، التي يمكن التوافق عليها أمريكياً وإيرانياً في الوقت نفسه.

أما إذا تبين أن الدول الأطراف في “حلف مكة”، وهي السعودية وباكستان وتركيا، لم تحرص على التنسيق المسبق مع ترامب وأن الاجتماع الرباعي الذي عقدته في طهران تم بمبادرة منها، فالأرجح أن تكون دوافعها متعددة ومتدرجة، بدءاً من رغبتها في منع التصعيد العسكري والحؤول دون اندلاع جولة جديدة من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وانتهاء بمحاولة استكشاف الآفاق المحتملة لتأسيس نظام إقليمي للأمن الجماعي تشارك فيه الدول الرئيسة في المنطقة.

وأن تكون لكل دافع ملابسات وشروط ومتطلبات متباينة. فالرغبة في خفض التصعيد تأكدت بمجرد انعقاد اللقاء الرباعي، لأنه وفّر قناة تصلح لنقل الرسائل والتحذيرات، وربما لممارسة ضغوط معنوية تساعد على الحد من الهجمات المتبادلة بين السعودية وأنصار الله، خصوصاً بالنسبة للمنشآت الحيوية على الجانبين، وقد يساعد انعقاد هذا الاجتماع على الانتقال بالتفاهمات المتبادلة إلى مستوى ثانٍ قد يمتد ليشمل مناقشة موضوعات من قبيل: البحث عن وسيلة لتجنب استهداف المنشآت المدنية وحقول الطاقة، والتأمين المشترك للملاحة في مضيق هرمز حال التوصل إلى اتفاق بين الدول المشاطئة، وسبل منع انتقال المواجهة إلى دول أخرى، وإقامة قنوات اتصال عسكرية لتفادي حدوث اشتباكات غير مقصودة.

إذ يمكن للدول التي تستضيف قواعد عسكرية أجنبية على أراضيها أن تدعو، على سبيل المثال، إلى عقد اجتماع عاجل تعلن فيه رفضها التام لأن تستخدم في ارتكاب أعمال عدائية ضد أي من دول المنطقة، مع التأكيد أنها لن تتردد في إغلاقها حال الإقدام على ارتكاب أية مخالفة، كي لا تعطي ذريعة لأي طرف للاعتداء على سيادتها وانتهاك حرمة أراضيها، بحجة الرد على العمليات العسكرية التي قد تنطلق من هذه القواعد، ولاتخاذ الإجراءات الكفيلة في الوقت نفسه برفض السماح للطائرات والسفن والقوات بالتحليق في أجوائها أو بالمرور في مياهها الإقليمية أو بعبور أراضيها للقيام بأعمال عدائية ضد أي من الدول المجاورة.

للدول العربية والإسلامية مصلحة واضحة تماماً في إقامة نظام إقليمي للأمن الجماعي. ويمكن للدول الأطراف في “حلف مكة”، إضافة إلى مصر وإيران، أن تشكل النواة الصلبة لهذا النظام والقاطرة القادرة على قيادته، غير أن الخطوة الأولى على هذا الصعيد ينبغي أن تبدأ بالتصدي لمهمتين على الأقل، الأولى: تستهدف البحث عن تسويات عاجلة لعدد من الأزمات المستعصية التي يمكن لهذا التجمع الخماسي أن يلعب دوراً حاسماً في إيجاد حلول توافقية لها، في مقدمتها أزمتا لبنان واليمن.

والثانية: تستهدف إنقاذ الشعب الفلسطيني مما يتعرّض له من عمليات إجرامية تستهدف تجويعه وتهجيره قسراً بل ومعاقبته جماعياً إلى الإبادة. ففيما يتعلق بالمهمة الأولى، تستطيع كل من السعودية وإيران، بدعم من دول التجمع الخماسي، أن يتعاونا معاً للقيام بدور حاسم لتسوية الأزمتين اللبنانية واليمنية إن توافرت لديهما معاً رغبة صادقة بالكف عن التدخل في الشؤون الداخلية لكل من لبنان واليمن، وتعاونا معاً بإخلاص وبحسن نية لإقامة نظام سياسي موحد في كل من البلدين، يعبّر عن الإرادة السياسية الحقيقية لكل من شعبيهما، ولإقامة جيش وطني قادر على توفير الحماية للجميع وفرض سيادة الدولة على كامل أراضيها.

وعلى الدول العربية والإسلامية أن تعترف بأن تخلّي معظمها عن القضية الفلسطينية وعدم القيام بكل ما يلزم لمساعدة الفصائل الفلسطينية على استعادة وحدتها ورصّ صفوفها، كان في مقدمة العوامل التي أوصلت الأمتين العربية والإسلامية إلى ما هما عليه الآن من تشرذم وضياع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى