ماذا يبقى من حبّ أهل البيت إذا لم يتحوّل إلى موقف؟

علي إسحاق..
ما الذي يجعل ذكرى دينية حاضرة في ضمير الإنسان بعد مرور القرون؟ أهي حرارة العاطفة، أم قوة المعنى الذي تمنحه للحياة؟ وكيف يمكن للحزن على مظلومية الزهراء عليها السلام أن يوقظ فينا احترام كرامة الإنسان، وللاحتفاء بميلاد زينب عليها السلام أن يعزّز وعينا وشجاعتنا، ولذكرى نهضة الحسين عليه السلام أن تدفعنا إلى مقاومة الظلم وإصلاح المجتمع؟ ثم ماذا يبقى من هذا الحب إذا انتهت المجالس وعاد الإنسان إلى سلوك يناقض القيم التي أعلن تمسكه بها؟
هذه الأسئلة تضع الولاء أمام امتحانه الحقيقي؛ فالمحبة التي تستقر في القلب تكتسب معناها الأعمق عندما تنعكس على السلوك، وتصبح أمانةً في العمل، وعدلاً في الحكم، ورحمةً في التعامل، وموقفاً مسؤولاً من الظلم. ومن هذه الزاوية تتصل سيرة الزهراء وزينب والحسين عليهم السلام برسالة تتجاوز حدود المناسبة، وتخاطب ضمير الإنسان في بيته ومجتمعه ومؤسسته.
من مظلومية الزهراء إلى صيانة الكرامة
تحضر السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام في الوجدان الشيعي رمزاً للطهارة والكرامة والمظلومية، وترتبط ذكراها بمعاناة إنسانية تثير أسئلة العدالة والوفاء وحماية الحقوق. وقد عبّر رسول الله صلى الله عليه وآله عن مكانتها بقوله: «فاطمة بضعة مني، يؤذيني ما آذاها»، وهو حديث رواه حتى البخاري ومسلم، ويكشف عن عظيم منزلتها عند أبيها ومكانة حرمتها.
غير أن استحضار هذه المنزلة يحمّل المحب مسؤولية أخلاقية تتجاوز التعبير عن الحزن. فما معنى التأثر بمظلومية الزهراء إذا استهان الإنسان بكرامة امرأة، أو أساء إلى أمّ، أو استغل ضعف محتاج، أو سكت عن حقّ يستطيع الدفاع عنه؟ إن الوفاء لقيمها يقتضي أن تصبح كرامة الإنسان جزءاً من سلوكنا، وأن نرفض الإيذاء والتمييز والاستغلال، وأن نردّ الحقوق إلى أصحابها.
ويمنح القرآن هذا المعنى أساساً واضحاً في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: 42]. فالآية تذكّر الإنسان بأن الظلم لا يفقد حقيقته بسبب نفوذ صاحبه، وأن تأخر الحساب لا يلغي المسؤولية. ومن هذا الوعي تنشأ شجاعة أخلاقية تحمي المظلوم، وتمنع تحويل القوة إلى وسيلة لانتهاك الحقوق.
زينب عليها السلام .. الصبر الذي يحفظ الحقيقة
يكتسب الاحتفاء بميلاد السيدة زينب الكبرى عليها السلام معناه الأعمق عندما نستحضر ما تمثله في الوجدان الإسلامي من صبر وبصيرة وثبات في مواجهة المحنة. فقد ارتبط اسمها بمرحلة كربلاء وما أعقبها من آلام، وأصبحت رمزاً للقدرة على حفظ الرسالة وإيصال الحقيقة في ظروف قاسية.
والصبر الذي نتعلمه من هذه السيرة لا يعني الاستسلام للأذى، أو قبول الواقع الظالم من دون محاولة تغييره؛ إنه قوة تحفظ للإنسان توازنه، وتمنحه القدرة على مواصلة طريقه حين تتكاثر الضغوط. وقد دعا القرآن الكريم إلى الاستعانة بالصبر والصلاة، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 153].
وتحتاج مجتمعاتنا إلى هذا المعنى في مواجهة الجهل والتهميش والإقصاء. فالاعتزاز بزينب عليها السلام ينبغي أن يعزز احترام عقل المرأة وحقها في العلم والمشاركة وصيانة الكرامة، وأن يرفض استخدام التقاليد أو النفوذ لتبرير الانتقاص من حقوقها. وما قيمة الاحتفاء بميلادها إذا حُرمت المرأة من فرصة المعرفة، أو أُسكت صوتها عندما تحمل رأياً صائباً؟ إن البصيرة التي نستحضرها في سيرتها تقتضي أن نمنح العلم مكانته، وأن ندافع عن الكرامة، وأن نواجه الخطأ بالحجة والموقف المسؤول.
الحسين عليه السلام.. الإصلاح بوصفه موقفاً
تمنح نهضة الإمام الحسين عليه السلام هذه المعاني امتدادها العملي؛ فهي في الوعي الشيعي مدرسة في رفض الظلم وتحمل المسؤولية والسعي إلى الإصلاح. وقد ورد في النص المنسوب إلى وصيته لأخيه محمد بن الحنفية: «إنّي لم أخرج أشرًا ولا بطرًا، ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدّي»، كما أورده الشيخ المفيد في كتاب الإرشاد.
ويضع هذا المعنى سؤالاً أمام كل جيل: ما موقفنا من الخطأ عندما نراه؟ وهل نختار الصمت حفاظاً على مصلحة شخصية، أم نتحمل مسؤوليتنا في حدود قدرتنا؟ لا تقتصر دلالة كربلاء على استعادة واقعة تأريخية، وإنما تمتد إلى كل موقف يحتاج فيه الإنسان إلى التمييز بين الحق والمنفعة، وبين الشجاعة والتهور، وبين الإصلاح الحقيقي والشعارات التي لا تغيّر شيئاً.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل: 90]. ويجعل هذا التوجيه القرآني العدل والإحسان مسؤولية مستمرة، لا ترتبط بوقت محدد أو مناسبة بعينها. ومن ثمّ، فإن الوفاء للحسين عليه السلام يظهر في رفض الفساد، وأداء الأمانة، وحماية المال العام، والوقوف إلى جانب المظلوم، وعدم بيع الحق مقابل مكسب عابر.
الولاء الذي يغيّر حياة الإنسان
لا تنفصل الشعائر عن الأخلاق في المعنى الذي يمنحها قيمتها الاجتماعية؛ فالمجالس التي ترفع الوعي، وتدعو إلى الإصلاح، وتغرس الرحمة، تترك أثراً يتجاوز لحظة الاجتماع. أما إذا بقيت القيم حاضرة في الخطاب وغائبة عن المعاملة، فسوف تتسع المسافة بين ما يعلنه الإنسان وما يمارسه.
وقد رُوي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام: «كونوا لنا زيناً ولا تكونوا علينا شيناً»، وهي وصية تُستحضر في التراث الشيعي للتأكيد على مسؤولية أتباع أهل البيت في تمثيل قيمهم بأخلاقهم. ويتجسد معناها في صدق القول، ونزاهة العمل، واحترام المختلف، وحفظ الحقوق، والامتناع عن الغش والخيانة والإساءة.
ومن هنا يبدأ الإصلاح من تفاصيل الحياة اليومية: من أسرة تصون كرامة أفرادها، وموظف يؤدي واجبه بأمانة، ومسؤول يرفض المحاباة، ومعلم ينصف طلبته، وإنسان يساند محتاجاً من دون انتظار مقابل. وتتكامل هذه الممارسات مع التربية والتعليم والقانون، حتى تصبح القيم جزءاً من ثقافة المجتمع، لا مجرد عبارات تتردد في المناسبات.
إن رسالة أهل البيت عليهم السلام، كما يتلقاها محبوهم، تستمد حضورها من المعاني التي تحييها في الضمير: طهارة الزهراء وكرامتها، وصبر زينب وبصيرتها، وإصلاح الحسين وشجاعته. ولا يتحقق الوفاء لهذه المعاني بالذاكرة وحدها، وإنما بقدرتنا على تحويلها إلى عدل ورحمة ومسؤولية.
فإذا كانت دمعة الزهراء توقظ فينا حرمة الإنسان، وميلاد زينب يعزز شجاعتنا وبصيرتنا، ونهضة الحسين تحرّك إرادتنا للإصلاح، يصبح الولاء رسالةً حيّةً تتجدد في ضمير الإنسانية، ويغدو أثره في حياة الناس أصدق تعبير عن المحبة.



