فلسفة النظام في الإسلام.. من الوجود إلى بناء الاستقرار

مرتضى معاش..
يقوم الوجود على نظام دقيق تنتظم فيه حركة الأشياء وفق سنن وقواعد، وتستقيم حياة الإنسان بقدر وعيه بهذه السنن والتزامه بها. وفي الرؤية الإسلامية، تتصل فلسفة النظام بالعدل الذي يحفظ الحقوق وينسق العلاقات، وبالعقل الذي يدرك الأسباب والمسببات، وبالقيادة الصالحة التي تطبق المنهج الإلهي وتقود المجتمع نحو الاستقرار. ومن هذا الترابط يتأسس السلام، حين تتحول القيم إلى قواعد تحكم السلوك، وتضبط المصالح، وتمنع التنازع والاستئثار.
وقد جمعت السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام أصول هذا البناء، فربطت انسجام القلوب بالعدل، وانتظام الأمة بالطاعة، وأمانها من التفرق بالإمامة. وتتكامل هذه المعاني مع وصية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، حيث يقترن انضباط الإنسان في سلوكه بانتظام شؤون الجماعة وإصلاح علاقاتها. وعلى هذا الأساس، تتضح الصلة بين النظام والسلام؛ فحين تسود العدالة وتستقيم القيادة ويقوم الالتزام على الوعي، تتعزز الثقة ويترسخ الأمان، وحين تختل هذه الأصول تتسع الفوضى وينتشر الظلم والقلق.
ومن هنا يتناول هذا البحث مفهوم النظام في الرؤية الإسلامية، وموقعه بوصفه قيمة دينية واجتماعية، وصلته بالنظام الكوني الذي يشكل الإطار الشامل للوجود، ثم آثاره في بناء الإنسان وتنظيم المجتمع وترسيخ السلام والاستقرار. وتتصل هذه المحاور بمعاني العدل والطاعة والإمامة، وبما تقتضيه من وعي والتزام في السلوك الفردي والحياة الاجتماعية.
تقول السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام في خطبتها: «فجعل الله… والعدل تنسيقاً للقلوب، وطاعتنا نظاماً للملة، وإمامتنا أماناً للفرقة» وتجمع هذه الكلمات بين العدل والطاعة والإمامة، وما يتحقق بها من تنسيق للقلوب ونظام للملة وأمان من الفرقة.
خطبة الزهراء سلام الله عليها وثيقة تأريخية عظيمة، ومن أهم الوثائق التي ترسم مسار الأمة، وتحمل في مضامينها خطة وخارطة طريق للمستقبل. فهي وثيقة من الماضي، وعمل وإرشاد لنا في الحاضر، وتخطيط وخارطة طريق لما ينبغي أن تكون عليه حياتنا في المستقبل. وقد أرادت الزهراء سلام الله عليها من هذه الخطبة أن تبين أن الانحراف عن طريق أهل البيت وعن القرآن الكريم وعن الإسلام سيؤدي إلى الفوضى المطلقة، لأن الإسلام في ذاته وجوهره وقيمته يقوم على النظام والتنظيم والترتيب.
ولذلك نبهت بأن من أكبر الأخطار التي سوف يقع فيها المسلمون بسبب هذا الانحراف الوقوع في الفتنة. وتظهر الفتنة في اختلاط الحق بالباطل، والخير بالشر، والحلال بالحرام، فتحدث ضبابية بين الحق والباطل، وعشوائية في التمييز بينهما. ومعنى أن يُفتن الإنسان أنه لا يعرف موضع الحق، ولا يميز خيره من شره، ولا يعرف الحق من الباطل والحلال من الحرام. فالإنسان المفتون تختلط عليه المعايير، حتى يختلط عليه كل شيء بكل شيء. فأرادت أن تبين ذلك الخطر العظيم المتمثل في الفتنة التي اختط طريقها من انحرف عن الإسلام وأوقع الناس في الفوضى.
وتقول السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام في جانب من خطبتها: «وتستجيبون لهتاف الشيطان الغوي، وإطفاء أنوار الدين الجلي، وإهمال سنن النبي الصفي». ففي إهمال هذه السنن يتجلى الانحراف عن القواعد التي تحفظ انتظام الحياة.
ومع أن خطبة الزهراء سلام الله عليها تبين القانون والعدل والمسار الصحيح والطريق الذي يؤدي إلى بَرِّ الأمان، فإن كثيراً من الناس يتجاهلونها اليوم. كما يقل تناول خطباء المنابر لها، مع ما يتضمنه هذا الموضوع من أهمية، وما يستدعيه من عناية تتناسب مع مكانته.
ويرتبط هذا التجاهل بقضية المخاطر والعواقب؛ فالقرآن الكريم يكرر التحذير من العواقب، ويحذر من المخاطر التي قد يقع فيها الإنسان، لكن انشغال الإنسان بيومياته قد يغفله عن أهمية القواعد والقوانين. ويتضح تجاهل المخاطر وإهمال القواعد في مثال قيادة السيارة: عندما يقود سيارته في الشارع، ويسير بطريقة نظامية ومرتبة، ويراعي قوانين المرور، ولا يكون مسرعاً ولا مستعجلاً، فإن هذا الإنسان يصل في النهاية إلى بيته بأمان.
أما الإنسان المغرور المتهور والجاهل، فإنه يحاول أن يكون مسرعاً، وأن يصل في الوقت الذي يريده، فيعبر الإشارة الحمراء، ويتجاهل القوانين، ويسير في الاتجاه المعاكس، ولهذا يقع في المخاطر. وهذه هي الفوضى التي يصنعها الإنسان باختراق القانون وتجاوزه والتمرد عليه، وكذلك الحياة تجري وفق هذه العلاقة بين الالتزام بالقواعد ونتائج مخالفتها.



