ما خلف موت الحبكة


عبد الرحيم جيران/ أديب وأكاديمي مغربي
ظهر في القرن العشرين نزوعٌ روائيٌّ نحو تجاوز الحبكة، وما زال إلى اليوم، وإن على نحو خافت. ولا بأس ـ قبل بسط الخفايا التي كانت وراء هذا التجاوز ـ من التمييز بين الحبكة والحكاية، حتّى لا يقع الخلط بينهما؛ فالأولى تُشير إلى تتابع أحداث في حكاية ما، وتَحْدُث في قلب هذا التتابع أزمة ما تُهدِّد مسيرها نحو تحقيق هدف (و/ أو مهمّة) مرسوم على نحو قَبْلِيٍّ. بينما يُراد بالحكاية الإشارة إلى مُحتوى الحكي (و/ أو الحدوث) التامّ في زمان ماضٍ، ولا يُفترض فيها أن تخضع بالضرورة للحبكة، خاصّة تمثيل مُعاناة هدف ما من التحقُّق؛ إذ قد لا تتجاوز كونها مُجرَّد سيرورة تقوم على تتالي الأحداث دون خضوعها للتحوّل، كما هو حاصل في الصيرورة. وينجم عن هذا التمييز تلافي الخلط السائد بينهما في النقد، الذي تترتّب عليه نتائج غير دقيقة؛ فقد تتأسّس الرواية على غياب الحبكة، لكنّها لا تنفلت من قيامها على حكاية ما أو عدد من الحكايات الصغرى.وتقتضي كلّ حبكة تحبيكًا مُعيَّنًا، والمقصود بهذا الأخير الكيفية التي تُصاغ بها من كاتب مُعيَّن. وتكمن في قلب التحبيك صياغةُ التجربة الزمنيَّة، لكنّ هذا الأمر لا يقتضي بالضرورة أن تصير هذه التجربة الزمنيّة مُتطابقة مع الحبكة في تمثيل الهوية، كما يذهب إلى هذا بول ريكور؛ فما نستخلصه من الرواية في نماذجها المُمثِّلة هو العكس؛ أي انتفاء التطابق التامّ بينهما (الحبكة والتجربة الزمنيّة) إذ تُعاني الذات السرديّة من الزمان بما يتضمّنه في بنيته من صوّر مُختلفة للموت (الفقدان، الزوال، الفوت) ومن عدم مُلاءمة التحقّقات (الخيبات) للتطلّعات، وما تتأسّس عليه هذه الأخيرة من مُفكَّر فيه (نوايا، أفكار، قصود)؛ إذ يُعَدُّ الزمن غير مُطاوع للفعل في الرواية. كما أنّ استمرار السيولة الزمنيّة -الذي يعكس استمرار الهوية- تامٌّ على مُستوى الذات المُتطابقة مع نفسها وواقعها، لكنّ الرواية تعكس في أغلب نصوصها المُعاناة من هذا الاستمرار الذي يتجلّى في الشكّ الذي يطول تعرّف الذات إلى نفسها في ما تفعله، وفي ما ينجم عن فعلها من تحقّقات.يرتبط موت الحبكة بعدم تمثيلها هذا الإشكال الأساس الذي يقوم على صيرورة هدف يُعاني من تحقّقه، ومن عدم مُطاوعة الزمان للفعل؛ حيث يصير الخارج بوصفه مكانَ التحقّق- بما يستدعيه من واقع- مشكوكًا في طواعيته للسريرة، بل مشكوكاً في قابلية كُلِّه لأن يكُون مُدركاً. ولعلّ أوّل من قوّض أركان الحبكة هو مارسيل بروست في عمله الروائيّ الشهير “البحث عن الزمان المفقود”؛ حيث تُعاد صياغة الحقيقة الروائيّة بسحبها من الخارج ـ الواقعيّ (ومن الاستهداف المُتّجه صوب المُستقبل) نحو الداخل السيكولوجيّ الذي تضطلع الذاكرة بصياغته. ومن ثمّة تصير الحقيقة ماثلةً في المُعاناة من الزمان واستمراره، ومساويةً للسيولة السيكولوجيّة. ويتّصل هذا التحوّل ـ الذي سيمهِّد للكتابة الروائيّة المُتحرِّرة من القالب التقليديّ الذي يحتفي بالحبكة ـ بما نتج عن ويلات الحرب العالميّة الأولى (كما لمّح إليها عديد من الكتّاب) من يأس من المُستقبل الإنسانيّ، ومن قلق تجاه الوعود التي بشَّر بها عصر الأنوار، وما ترتّب على الإحساس بكون التاريخ قد فقد وجهته من شكٍّ في نزاهة العقل وقدرته على ضمان سير الإنسان صوب تصالحه مع نفسه. وينبغي فهم ضمور الحبكة أو الإعداد لموتها في هذا النطاق، لا في غيره. ومُبرِّر هذا القول كونها تُوفِّر المعقولية السرديّة؛ أي ما يصير به الفعل في نصٍّ سرديٍّ مفهوما؛ ولا يُمْكِن تحقيق هذه المعقولية من دون وجود كُلٍّ لاحم للفعل السرديّ؛ وما هذا الكلّ سوى الحبكة التي لا يمْثُل دورها في أيّ سرد كيفما كانت طبيعته في ضمان وحدة الفعل وتماسكه بتمثيل هدف ما فحسب، بل أيضًا في ما تُوفِّره من إمكان لفهم العالم الأَنطولوجيّ؛ حيث تنقذه من مظهره المُشتَّت الواقعيّ من طريق لحمه تخييلًا بوساطة كُلِّها المُجسَّم بالفعل المُستهدِف.لا يرتبط موت الحبكة بما ميّز القرن العشرين من ويلات الحروب المُدمِّرة فحسب، بل أيضًا بضمور السرديات الكبرى التي تُعطي الإنسان أطرًا فكرية مبنية ومنظَّمة تُمكِّنه من فهم العالم وتفسيره؛ إذ تُعَدُّ بدورها حبكات ذهنيّة لا تقلّ عن الحبكة التخييليّة قوّة، خاصّة منها السرديات الكبرى التي تحمل في طيّاتها اليوتوبيا المُبشِّرة بزمان إنسانيّ مستقبليّ. ومن ثمّة يُعَدُّ ضمور السرديات الكبرى ضمورًا لكلّ يوتوبيا، الشيء الذي يُوازيه على صعيد التخييل الروائيّ توجّه جماليّ لافت للنظر نحو التخلّي عن مبدإ الحبكة نظرًا لانتفاء ما يُبرِّر الحاجة لها؛ ويتمثَّل هذا التبرير فنّيًّا في تجسيم فعل استهدافيّ مُؤسَّس على إمكان تحويل الواقع، أو جعله مُستجيبًا للفكرة. وتُضاعف من هذا الأمر هيمنةُ الوسائط البصريّة التي تُعمِّم ثقافة الكتلة (ماكدونالد، ملاعب كرة القدم، شرائط الفيديو، الصرعات المُختلفة.. الخ) ضدًّا على ثقافة التميّز في توازٍ مع ضمور المُجتمع الموسّع التقليديّ، وظهور مُجتمعات صغرى مُقلَّصة؛ فلم يَعُد الروائي يتعرّف في فعله إمكانَ أن يكُون صانع أحلام، لأنّ هذه الأخيرة صارت مُوجَّهة من خلال ثقافة الاستهلاك التي تكاد تُهيكل الشعور الإنسانيّ، وتحدّد العلاقة بالعالم.
لا يترتَّب على موت الحبكة أو ضمورها تخلّي الروائي عن التفكير في ما يُضفي الانسجام على العالم التخييليّ الذي يُنتجه على مُجزَّأ ومٌفكَّك، بل تغيير طريقة عمله في هذا الصدد بوساطة البحث عن وسيلة أخرى في ضمان هذا الانسجام؛ حيث يتحوّل من الاعتماد على الحبكة إلى طرائق أخرى، ومن ضمنها الانكفاء على الداخل بوصفه سيولة تستند إلى ضمير الأنا؛ حيث يصير هذا الأخير بحمولته الظاهراتيّة نقطة استناد مرجعيّة في تبرير الانتقالات عبر الأزمنة، ومن موضوع سرديّ إلى آخر. لكن ينبغي التفكير ـ هنا ـ في النصوص الروائيّة المُتشظِّيّة المكتوبة بضمير الغائب ـ كما في رواية “مدن السكر” لسعيد علوش، ورواية “قوس الرمل” للولوة المنصوري ـ؛ فما الذي يضمن لحمتها؟ لا تخرج الإجابة في هذا الصدد عمّا قرّره جان ريكاردو حين أشار إلى كون مُغامرة الكتابة صارت بديلًا لمُغامرة الحكاية التقليديّة. وأُفضِّل الحديث في هذا الصدد عن فعل الكتابة بدلًا من مُغامرة الكتابة؛ فهذا الأخير يقوم بدور مهم في لحم المُجزَّأ الناجم عن غياب الحبكة.



