تركيا وحلف مكة الدفاعي.. نظرة استراتيجية

بقلم: محمد حسين واحدي..
في البداية ومع تشكّل حلف مكة الدفاعي، نشأ لدى بعض المحللين والرأي العام انطباع بأن هذا الاتفاق قد تشكّل ضد إيران. إلا أن هذا التصور لا يبدو دقيقًا إلى حدّ كبير؛ إذ إن تركيا حاولت في مراحل مختلفة تقديم المساعدة لإيران، ولذلك لا يمكن بالضرورة اعتبار هذا الاتفاق تحالفًا جديدًا ضد إيران.
وكما يتضح من اسم هذا الحلف، فإن أحد أهدافه المحتملة قد يكون مواجهة التهديدات الإسرائيلية، ولا سيما أن التوترات بين إسرائيل وبعض دول المنطقة شهدت تصاعدًا خلال السنوات الأخيرة. وقد دعمت إسرائيل الأكراد، بل اعترفت أيضًا بالإبادة الجماعية للأرمن. ومن جهة أخرى، يبدو أن إسرائيل لا تُبدي رغبة كبيرة في تحمّل ظهور أو تعزيز دول إسلامية قوية في المنطقة.
بعد انهيار البنية السياسية في سوريا، هاجمت إسرائيل إيران، لأنها رأت أن الظروف الإقليمية أصبحت أكثر ملاءمة للمضي قدمًا في تحقيق أهدافها، وكانت ترسم لنفسها تصورًا أكثر ملاءمة لمصالحها. وإذا استمرت هذه الظروف، فمن المحتمل أيضًا أن تدخل إسرائيل في المستقبل القريب في توتر أو صراع خطير مع تركيا وحتى مع مصر. فهاتان الدولتان يمكن أن تشكلا، من وجهة نظر إسرائيل، تهديدين مهمين على المدى الطويل.
ومع ذلك، يبدو أن باكستان ليست في الوقت الراهن ضمن الأولويات العسكرية الإسرائيلية. فباكستان، نظرًا إلى امتلاكها قوة جوية فعّالة، وأسلحة نووية، وجهازًا استخباراتيًا قويًا، لا يمكن أن تكون هدفًا سهلًا لإسرائيل. وحتى الهند نفسها تأخذ في حساباتها، عند التخطيط لمواجهة باكستان، اعتبارات جدية تتعلق بقدراتها العسكرية.
وترتبط القوة العسكرية الباكستانية إلى حد ما بالدعم والاستثمارات التي تقدمها المملكة العربية السعودية. ويمكن القول إن السعودية تُعد من أهم مصادر الدعم المالي والاستراتيجي لباكستان، إذ إن الحفاظ على هذا المستوى من القدرات العسكرية وشبكات النفوذ سيكون أكثر صعوبة بالنسبة لباكستان من دون دعم الدول الخليجية الغنية. كما
أن الجيش الباكستاني وجهاز الاستخبارات في البلاد، أي ISI، يتمتعان بنفوذ واسع داخل البنية السياسية الباكستانية، وفي العديد من القضايا المهمة يكون دورهما أكثر بروزًا من دور الحكومة المدنية.
أما تركيا فهي أيضًا دولة قوية عسكريًا، إلا أن اقتصادها يواجه مشكلات من بينها ارتفاع معدلات التضخم والاعتماد على واردات الطاقة. كما يعتمد جزء مهم من إيرادات تركيا على قطاع السياحة؛ ولذلك فإن اندلاع حرب واسعة مع إسرائيل يمكن أن يلحق أضرارًا كبيرة بالاقتصاد التركي.
ومن جهة أخرى، تمتلك السعودية شبكات مالية واسعة ونفوذًا ولوبيات قوية في الولايات المتحدة، وهي ميزة لا تمتلكها تركيا وباكستان بالمستوى نفسه. ولذلك، إذا كان المطلوب أن تكون هناك دولة في العالم الإسلامي تمتلك القدرة المالية والسياسية الكافية لمواجهة نفوذ اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة والغرب، فإن السعودية ستكون واحدة من الخيارات القليلة الجادة. أما قطر والإمارات العربية المتحدة، فعلى الرغم من امتلاكهما نفوذًا ملحوظًا، فإن ظروفهما وقدراتهما تختلف عن السعودية.
وتُعد قضية جمال خاشقجي مثالًا بارزًا على أهمية العلاقات بين السعودية والولايات المتحدة. فبعد مقتل الصحفي، أدت الضغوط السياسية والدبلوماسية السعودية على الولايات المتحدة وغيرها من الأطراف الدولية، في نهاية المطاف، إلى تراجع هذه القضية تدريجيًا من سلم أولويات الرأي العام والسياسة الدولية.
وقد تحتاج تركيا، من أجل تحقيق بعض أهدافها العسكرية، ومن بينها مساعيها للعودة إلى برنامج المقاتلة F-35، إلى الدعم والوساطة السعودية في علاقاتها مع الولايات المتحدة. ولذلك لا يمكن تحليل العلاقة بين تركيا وباكستان والسعودية على أساس التحالفات العسكرية الرسمية فقط؛ بل ينبغي أيضًا أخذ دور الاقتصاد، والموارد المالية، والعلاقات مع الولايات المتحدة، والهياكل الأمنية، في الاعتبار.
وبطبيعة الحال، فإن حلف مكة الدفاعي، في الظروف الحالية، لم يُظهر بعد بصورة كاملة مدى فعاليته وتماسكه العملياتي، حتى في الأزمات والصراعات الإقليمية مثل حرب اليمن. ومن ثم، لا يمكن الجزم بأن هذا الحلف سيتحول مستقبلًا إلى تحالف عسكري ضد إسرائيل. ومع ذلك، فإن اختيار اسم «حلف مكة الدفاعي» وتركيبة الدول المشاركة فيه يثيران تساؤلات بشأن الأهداف بعيدة المدى لهذا الاتفاق.
وفي النهاية، ينبغي الانتباه إلى أن عضوية أي حلف دفاعي لا تعني بالضرورة دخول جميع أعضائه عسكريًا وبشكل كامل في حرب ما. وحتى في حلف الناتو، يستطيع الأعضاء، بحسب قدراتهم وظروفهم، تقديم أشكال مختلفة من الدعم؛ بدءًا من إرسال الأسلحة والمعدات، مرورًا بالمساعدات الطبية والاستخباراتية واللوجستية، وصولًا في نهاية المطاف إلى إرسال القوات والمشاركة العسكرية المباشرة.
لذلك، ومن أجل تقييم حلف مكة الدفاعي بصورة واقعية، ينبغي ألّا يُنظر إليه باعتباره مجرد تحالف عسكري، بل يجب تحليل مجموعة من العوامل السياسية والاقتصادية والأمنية، إلى جانب علاقات الدول الأعضاء بالولايات المتحدة وإسرائيل بصورة متكاملة.



