حال العراق بين التأسف والتأمل ..

بقلم/ منهل عبد الأمير المرشدي ..
في عالمٍ مضطرب تتبدّل فيه التحالفات وتتسارع فيه الأزمات لم تعد مكانة الدول تُقاس فقط بمساحتها الجغرافية أو بعدد سكانها أو بثرواتها الطبيعية بل بقدرتها على حماية قرارها الوطني وصيانة حدودها وإدارة مواردها وبناء مؤسساتٍ تحظى بالثقة والاحترام . فالدولة التي تملك التأريخ العريق والحضارة الممتدة لآلاف السنين لا يجوز أن تتحول إلى كيانٍ مترهل يتنازع أبناؤه على النفوذ وتضيع بوصلته بين الارتجال والفساد والتردد . للأسف الشديد هذا هو ما يمر به العراق حاليا، فالدول العريقة لا تعيش على أمجاد الماضي وحده، والتأريخ مهما كان عظيما لا يحمي دولة فقدت إرادتها ولا يصون شعبا يفتقد الوعي وتغيب عنه القيادة الرشيدة . الحضارات الكبرى تُحترم حين تتحول ذاكرتها التأريخية إلى مشروع حاضر وفاعل وإلى مؤسسات قوية واقتصاد منتج وقضاء مستقل وإدارة قادرة على اتخاذ القرار في الوقت المناسب وهذا ما يتجلّى بشكل واضح في الجمهورية الإسلامية رغم كل ما تتعرض له من حصار وحقد وكراهية من اللوبي الصهيوني في أمريكا والغرب وحتى بعض الدول العربية والإسلامية ، أما الدولة الضعيفة فإنها تبدو مترهلة مترددة فاقدة لهيبتها وسيادتها . تتعدد فيها مراكز القرار وتتناقض فيها التصريحات وتُصبح مصالحها الوطنية رهينة للتدخلات الخارجية ولحسابات القوى المتنفذة ومداخيل السُحت الحرام من المال العام وهذا هو حال العراق للأسف الشديد . في مثل هذه الدولة لا يجد المواطن حماية كافية ولا يشعر بأن القانون يسري على الجميع بل يُستثنى منه كبار الحيتان ومافيات الفساد بينما تتقدم الفوضى على حساب الدولة ويتحول الفساد إلى منظومة والمحسوبية إلى قاعدة والكفاءة إلى استثناء وهذا هو حال العراق وللأسف الشديد .. أما الدولة القوية فليست بالضرورة أن تكون هي الدولة الأكثر تسليحا والأكثر صخبا في خطابها السياسي . القوة الحقيقية هي أن تكون للدولة مؤسسات تعمل بانتظام وقوانين تُطبق بعدالة على الجميع وقيادة تعرف مصالح شعبها وتدرك متى تفاوض ومتى ترفض ومتى تصمت ومتى تتحدث . الدولة القوية هي التي لا تسمح بتحويل أرضها مرتعا للعملاء والقوى المستكبرة وسماؤها مستباحة للآخرين ولا تقبل أن تكون قراراتها الوطنية قابلة للبيع أو المقايضة . نحن بحاجة إلى رجال دولة لا إلى رجال لم يعرفوا حرفا من ألف باء وإلى قيادات تمتلك الرؤية والخبرة والشجاعة والمسؤولية لا إلى رجال يعبدون هوى نفوسهم المريضة . رجل الدولة الحقيقي يعرف أن السلطة تكليفٌ لا تشريف وأن المنصب مرحلة عابرة بينما الدولة باقية والشعب هو صاحب الحق وسفر التأريخ هو الفيصل . إن القيادة القوية تأتي من القوة السياسية الحقيقية التي تُبنى على الشرعية والمساءلة واحترام الدستور وحرية التعبير المسؤولة وتداول السلطة وفق القانون وليس بفيتو ترامب . فالدولة لا تقوى بالخوف بل بالثقة ولا تستقر بالقمع بل بالعدل ولا تحميها الشعارات بل المؤسسات الوطنية المستقلة . بالمختصر المفيد نقول إن العلاج الأنجع لما يمر به العراق اليوم وللأسف الشديد يتلخص في استعادة قوة الدولة التي تبدأ من الداخل بمحاربة الفساد بلا انتقائية وإبعاد الفاشلين والفاسدين عن مواقع القرار وإعادة الاعتبار للعقول والكفاءات وبناء قوة عسكرية موحدة للعراق كل العراق من الجيش والحشد الشعبي وأجهزة أمنية مهنية تعمل تحت سلطة القانون وإصلاح الاقتصاد وتحقيق العدالة الاجتماعية في سُلّم الرواتب وفتح المجال أمام الشباب والكفاءات للمشاركة في إدارة البلاد . فلا يمكن لدولة أن تكون قوية بينما يشعر مواطنوها بالظلم وتُنهب ثرواتها ويتحول القانون إلى أداة بيد الأقوياء .



