اراء

حصاد ما يسمى المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية.. شوك الخط الرمادي

بقلم: إيڤاريتا جعفر..


لم تكن المسألة الحدودية في جنوب لبنان يوماً مجرد نزاع على أراضٍ أو خطوط جغرافية، بل كانت عبر التاريخ مساراً متواصلاً من المحاولات الإسرائيلية لقضم السيادة الوطنية واقتطاع أجزاء من الجغرافيا اللبنانية. ففي عام 2000، وعقب دحر الاحتلال، ظهر ما يُسمى بـ”الخط الأزرق” الذي أقرته الأمم المتحدة كخط انسحاب ومؤشر مؤقت للحدود. ورغم أن هذا الخط لم يمثل الحدود الدولية الرسمية والتاريخية للبنان، إلا أنه شكّل نقطة انطلاق لسياسة إسرائيلية قائمة على الخرق المتكرر وتثبيت وقائع ميدانية جديدة بالقوة، متجاوزة كافة المواثيق الدولية.
عدوان 2024-2025 وخدعة “الخط الأصفر”
مع اندلاع العدوان الاسرائيلي الممتد بين عامي 2024 و2025، انتقل الاحتلال إلى مرحلة جديدة من فرض الأمر الواقع الميداني؛ إذ قام برسم خط جديد أطلق عليه اسم “الخط الأصفر”. ولم يكن هذا الخط سوى شريط جراحي اقتطع من خلاله الاحتلال عشرات القرى والأراضي الزراعية الجنوبية، مكرساً احتلالاً مباشراً وعاملاً على مسح هوية القرى الواقعة ضمنه.
حيث قام الاحتلال برسم هذا الخط بعد عامين من التدمير الممنهج، علماً أنه قد دخل القرى الموجودة ضمن هذا الخط بعد اعلان ما يسمى وقف إطلاق النار الذي التزم فيه الجانب اللبناني، بينما استمرّ الاحتلال في التقدم والجرف والهدم. قام الاحتلال طيلة هذه الفترة باقتلاع أشجار الزيتون وجرف القرى وهتك حرمة الكنائس والمساجد، وحتى المقابر أيضاً.
مجازر “خارج الخط الأصفر”.. استهداف النساء والأطفال
لم تقتصر الاعتداءات والمجازر الإسرائيلية على المناطق المقتطعة ضمن الشريط الأصفر المزعوم، بل توسعت لتشمل القرى والبلدات الواقعة خارجه. وتحت ذرائع واهية يكررها الاحتلال بزعم استهداف “بنى تحتية ومقرات عسكرية”، طال القصف منازل وآمنين في قراهم. وأكدت المعاينات الميدانية والتقارير الصحافية أن المواقع المستهدفة كانت أبنية سكنية مأهولة، حيث ارتقى جراء القصف أطفال رضع ونساء وأمهات في منازلهن. حيث رُسم ليلاً في الجنوب آخر حضن أم لولدها الرضيع بالدم والركام على مرأى العالم. وهذا ليس شيئاً غريباً في تاريخ الحروب مع الاحتلال، حيث يُعرف أنه يعتاش على قتل الأبرياء والأطفال. إنه كيان يقتل ولا يقاتل.
اكذوبة نتنياهو.. بين الحسم في علي الطاهر واستهداف العمق الجنوبي
لم يقتصر التناقض الميداني للإحتلال على رسم الخطوط الوهمية، بل تجلى بوضوح في الذرائع التي توسل بها لشن غارات استهدفت قرى تقع جغرافياً خارج نطاق “الخط الأصفر”. فقد ادعى الاحتلال أن هذه الضربات جاءت رداً على إطلاق المقاومة مسيّرات مفخخة استهدفت قواته العاملة في منطقة علي الطاهر؛ وهنا تحديداً ينكشف النفاق والرواية المزدوجة للاحتلال.
قبل هذه الغارات ببضع ساعات كان بنيامين نتنياهو قد أعلن أن منطقة “علي الطاهر” لم تعد تشكل أي خطر على قوات الاحتلال بعد فرض السيطرة عليها. هذا التناقض الصارخ يطرح علامة استفهام جوهرية: كيف للاحتلال أن يعلن السيطرة وتحييد الخطر عن موقع ما، ثم يعود ليبرر قصف القرى والمدنيين باستهدافات نابعة أو متجهة إلى الموقع نفسه؟
هذا التضارب يضع السلوك الإسرائيلي أمام تفسيرين لا ثالث لهما: إما أن الإعلان عن “السيطرة والحسم” كان مجرد ادعاء كاذب للتسويق الداخلي، أو أن الرواية المتعلقة بالمسيّرات ليست سوى ذريعة مفتعلة لتوسيع دائرة العدوان والضغط على القرى الآهلة. وفي الحالتين، يتضح الهدف الأساسي من هذه الاستهدافات: محاولة القفز فوق خطوط التماس لتوجيه ضربات مباشرة للمدنيين، بغية خلق بيئة ضاغطة وإحداث شرخ بين المقاومة وبنيتها الاجتماعية ودفع سكان هذه المناطق إلى التهجير القسري.
شوك “الخط الرمادي”
ختاماً، تُظهر هذه المتتاليات الميدانية والسياسية أن حصاد ما يُسمى بـ “المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية” لم ينتج سوى “شوك الخط الرمادي”؛ مساحة ضبابية هجينة افتعلها الاحتلال لتكون غطاءً لانتهاكاته، وحصناً يتنصل عبره من أي التزامات دولية. إن الانتقال من “الخط الأزرق” إلى اقتطاع “الخط الأصفر”، ثم القفز فوقهما باستمرار عبر القصف والقتل خارج كل الخطوط، يثبت أن الرمادية السياسية والعسكرية لم تكن تعثراً تفاوضياً، بل كانت استراتيجية إسرائيلية مدروسة ومصممة حصراً لخدمة مشروع الاحتلال. رمادية تتيح له الاستمرار في التدمير والجرف، وتغطية تناقضات رواياته الكاذبة، ومواصلة حربه على البشر والحجر تحت مظلة تفاوضية مفرغة من مضمونها، ولا توفر للبنان سوى مزيد من الاستنزاف والتعدي على سيادته، وقتل شعبه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى