كوريا الجنوبية أمام اختبار هرمز.. بين الضغوط الأميركية وحسابات المصالح

بقلم: تمارا برو..
أعاد تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن عدم تقديم كوريا الجنوبية الدعم الكافي خلال الحرب على إيران، بالتزامن مع مؤشرات على استئناف التقارب الأميركي مع كوريا الشمالية، وتراجع مستوى بعض التدريبات العسكرية المشتركة بين واشنطن وسيؤول، طرح تساؤلات داخل كوريا الجنوبية بشأن مستقبل العلاقة الأمنية مع الولايات المتحدة، وحدود الالتزامات التي يتعين على سيؤول تقديمها لحليفها الأميركي.
وفي حين رفضت سيؤول انتقادات ترامب وأكدت أنها قدمت الدعم المطلوب، فإن إعلانها دراسة خياراتها بشأن مضيق هرمز يعكس معادلة تتجاوز البعد العسكري المباشر. فسيؤول تواجه، من جهة، ضغوطًا أميركية متزايدة للمساهمة بصورة أكبر في أمن الممرات البحرية في الشرق الأوسط، لكنها، من جهة أخرى، تدرك أن الانخراط العسكري المباشر قد يعرّض مصالحها الاقتصادية وعلاقاتها مع إيران ودول المنطقة لمخاطر يصعب احتواؤها.
سوابق الانتشار العسكري الكوري في هرمز والبحر الأحمر
لا يمثل بحث نشر قوات كورية جنوبية في مضيق هرمز سابقة في السياسة الخارجية لسيؤول، إذ تمتلك كوريا الجنوبية خبرة سابقة في نشر قوات بحرية في البحر الأحمر وخليج عدن من خلال وحدة «تشونغهاي»، التي وسّعت عام 2020 نطاق عملياتها ليشمل مضيق هرمز خلال ذروة التوتر الأميركي الإيراني.
لكن سيؤول حرصت آنذاك على عدم الانخراط المباشر في التحالف البحري الذي قادته الولايات المتحدة، واختارت تنفيذ مهمتها بصورة مستقلة. وقد عكس ذلك محاولة واضحة للموازنة بين التزاماتها الأمنية تجاه واشنطن وبين الحفاظ على مصالحها الاقتصادية وعلاقاتها مع طهران.
وتكشف تجربة عام 2021، عندما أرسلت سيؤول مدمرة إلى المنطقة عقب احتجاز إيران قافلة كورية، عن حساسية أي وجود عسكري كوري في هرمز. فقد اضطرت الحكومة الكورية آنذاك إلى التأكيد أن المهمة ذات طبيعة دفاعية، وتركز على حماية المواطنين والسفن، بالتوازي مع اعتماد المسار الدبلوماسي لمعالجة الأزمة.
وتشير هذه السوابق إلى نمط واضح في السياسة الكورية، يقوم على المشاركة العسكرية المحدودة والمشروطة، مع تجنب تحويل الوجود البحري الكوري إلى اصطفاف عسكري مباشر ضد إيران.
خيارات سيؤول بين الدعم المحدود والانخراط العسكري
في ظل التقارير التي تفيد بأن سيؤول تدرس نشر أصول عسكرية في مضيق هرمز، وربما السعي إلى الحصول على موافقة البرلمان، أكدت الحكومة الكورية عدم اتخاذ قرار نهائي بشأن إرسال قوات إلى المنطقة. ومع ذلك، تمتلك كوريا عدة خيارات تتدرج من الدعم غير القتالي إلى المشاركة العسكرية المحدودة، وصولًا إلى نشر قوة بحرية بصورة مباشرة.
الخيار الأقل تكلفة سياسيًا وعسكريًا يتمثل في تقديم مساهمة محدودة تقتصر على الدعم اللوجستي، وتبادل المعلومات، والمراقبة والاستطلاع البحري، من دون الانخراط في عمليات قتالية.
وفي هذا السياق، يجري الحديث عن استخدام طائرة «P-8A Poseidon» في مهام الاستطلاع، إلى جانب احتمال نشر سفينة دعم مثل «سويانغ» لتوفير الإمداد والتموين والدعم للقوات البحرية العاملة في المنطقة.
ومن الخيارات الأخرى التي يجري مناقشتها المساهمة الكورية في كشف وإزالة الألغام البحرية، وهي صيغة تسمح لسيؤول بالمساهمة في أمن الملاحة من دون الانخراط المباشر في العمليات القتالية.
أما السيناريو الأكثر خطورة فيتمثل في نشر مدمرة أو قوة بحرية قتالية بصورة مباشرة، إذ قد يجعل ذلك كوريا الجنوبية طرفًا مباشرًا في المواجهة مع إيران، ويحوّل القوات والسفن والمصالح الكورية إلى أهداف محتملة للرد الإيراني. وقد حذرت طهران بالفعل من تداعيات أي مشاركة عسكرية كورية على المصالح الكورية في المنطقة.
المخاطر لا تتوقف عند ساحة المواجهة
إذا دخلت كوريا الجنوبية طرفًا مباشرًا في الصراع، فقد تتعرض السفن والشركات والمصالح الكورية في الخليج والشرق الأوسط لضغوط أو استهداف. لكن المخاطر قد تتجاوز فترة المواجهة العسكرية لتصل إلى مرحلة ما بعد الحرب.
وفي حال اعتبرت طهران أن سيؤول انحازت بصورة مباشرة إلى واشنطن، فقد تستخدم أدوات اقتصادية للضغط على كوريا الجنوبية، من بينها تشديد القيود على الشركات الكورية، وتقليص فرص التعاون في قطاع الطاقة، أو استبعاد الشركات الكورية من مشاريع إعادة الإعمار والبنية التحتية والاستثمارات المستقبلية في إيران.
وبالتالي، فإن كلفة القرار الكوري قد لا تُقاس بعدد القوات أو السفن التي سترسلها سيؤول إلى هرمز، بل بما قد تخسره من فرص اقتصادية في السوق الإيرانية على المدى الطويل. فالمشاركة العسكرية قد تمنح سيؤول مكاسب سياسية وأمنية في علاقتها مع واشنطن، لكنها في المقابل قد تضعف قدرتها على العودة إلى السوق الإيرانية واستعادة التعاون النفطي والاقتصادي بعد انتهاء الحرب.
البحر الأحمر وباب المندب.. اتساع دائرة المخاطر
لا تتوقف المصالح البحرية الكورية في الشرق الأوسط عند مضيق هرمز، بل تمتد إلى البحر الأحمر وباب المندب، في ظل اعتماد ناقلات النفط والسفن التجارية الكورية على طرق الملاحة المرتبطة بهذه الممرات، ولا سيما بعد الحرب على إيران وتوترات مضيق هرمز وتعرض سفنها لهجمات.
ومن ثم، فإن أي انخراط عسكري كوري في هرمز قد يؤدي إلى توسيع دائرة المخاطر لتشمل السفن التجارية الكورية في البحر الأحمر وباب المندب، خصوصًا إذا اعتبرت إيران أو الحوثيون أن كوريا الجنوبية أصبحت جزءًا من التحالف المناهض لإيران.
وهنا تكمن إحدى أكثر المفارقات حساسية بالنسبة لسيؤول: فالمشاركة العسكرية التي تهدف إلى حماية حرية الملاحة في هرمز قد تؤدي، في حال اتساع الصراع، إلى زيادة المخاطر على الملاحة الكورية في مناطق أخرى من الشرق الأوسط.
يضع مضيق هرمز كوريا الجنوبية أمام معادلة شديدة التعقيد. فواشنطن تريد حليفًا أمنيًا أكثر حضورًا واستعدادًا لتحمّل أعباء أكبر، بينما تتطلب مصالح سيؤول قدرًا أكبر من الحذر والمرونة.
وقد تمنح المشاركة العسكرية المحدودة كوريا الجنوبية رصيدًا إضافيًا لدى الولايات المتحدة، وتساعدها في إدارة ملفات أخرى مع واشنطن، بما في ذلك القضايا الأمنية وشبه الجزيرة الكورية والملفات الاقتصادية والاستثمارية. كما قد تعزز موقع سيؤول في أي مباحثات أميركية مستقبلية مع كوريا الشمالية.
لكن في المقابل، فإن الانخراط العسكري المباشر قد يفتح جبهة جديدة من المخاطر أمام المصالح الكورية، ويعرّض سفنها وشركاتها وممراتها التجارية في الشرق الأوسط لضغوط إضافية.
ولا تواجه الحكومة الكورية ضغوطًا خارجية فقط، بل تتحرك أيضًا ضمن هامش داخلي ضيق. فقد أظهر استطلاع أجرته Gallup Korea في آذار الماضي أن 55% من الكوريين الجنوبيين يعارضون إرسال سفن حربية إلى مضيق هرمز، مقابل 30% يؤيدون هذه الخطوة، ما يعكس تحفظًا شعبيًا واضحًا تجاه الانخراط العسكري في الصراع.
ويكتسب هذا الرفض أهمية خاصة لأنه يعني أن أي قرار حكومي بإرسال قوات، حتى لو جرى تقديمه باعتباره مساهمة في حماية حرية الملاحة، قد يتحول إلى قضية سياسية داخلية. فالمعارضة الشعبية لا ترتبط فقط بمخاطر المواجهة مع إيران، وإنما أيضًا بالمخاوف من أن تتحول كوريا الجنوبية إلى طرف في حرب لا ترتبط مباشرة بأمنها القومي، في وقت لا تزال فيه سيؤول تواجه تهديدات أمنية مباشرة في شبه الجزيرة الكورية.
يمثل مضيق هرمز اختبارًا حقيقيًا لقدرة كوريا الجنوبية على الموازنة بين التحالف والمصلحة. فسيؤول لا تستطيع تجاهل مطالب واشنطن، لكنها في الوقت نفسه لا تملك ترف الانخراط في مواجهة قد ترتد على أمنها الاقتصادي والتجاري.
قد تحاول سيؤول تقديم مقابل سياسي واقتصادي لإدارة ترامب، بما يتيح لها الحصول على قدر أكبر من المرونة الأميركية تجاه موقفها من المشاركة العسكرية في مضيق هرمز، أو أن تكون مشاركتها محدودة وغير قتالية، تسمح لها بتقديم ما يكفي لإرضاء واشنطن من دون تجاوز الخط الذي يحوّلها إلى طرف مباشر في الصراع.



