اخر الأخبارثقافية

حين ينام الوطن على دجلة ويستيقظ على جائزة!

شوقي كريم كريم..


من حق العراقي المسكين الذي قال: «عرب وين، طنبورة وين»، لأن الفرق بين عرب وطنبورة يشبه الفرق بين شواطئ البحر الأبيض المتوسط وشاطئ دجلة المسكين، الذي طاله وأخوه الفرات الخراب، وغزته الأسنّة والتلوث، حتى صار الماء نفسه يحتاج إلى واسطة كي يمرّ بسلام.سمعتُ أن الثقافة فعلٌ يهم الناس وقضاياهم، يقف مع الأوجاع، وترتفع لاءات رفضه عالية حتى تصل عنان السماء.لكننا، والحمد لله، شعبٌ مسترخٍ، وكل شيء في البلد على خير ما يرام.
لا كهرباء؟ لا بأس.الماء ملوث؟ بسيطة.المدارس تتساقط فوق التلاميذ؟ قضية قابلة للتأجيل.المستشفيات؟ سنبحث الأمر في لجنة لاحقة.البطالة؟ دعوها حتى تنضج.الفقر؟ موضوع حساس، لا نريد أن نزعج مشاعر الفقراء.
أما الثقافة، فقد وصلت إلى قمة الرفاهية الفكرية، واكتشفت أخيرًا المشكلة التي استعصت على الحكومات والبرلمانات والوزارات واللجان منذ سنوات:السرد والجوائز.
نعم، أيها المواطن الذي تنتظر الكهرباء منذ الصباح، لا تقلق.أيها الشاب الذي يحمل شهادته ويتجول بها بين أبواب المؤسسات، اطمئن.
أيتها الأم التي تبحث عن مدرسة صالحة لابنها، لا تقلقي.لقد اجتمع المثقفون من أجلكم.جلسوا. وتحاوروا.وتأملوا.ثم اكتشفوا أن الأزمة الحقيقية ليست في حياتكم، وإنما في السرد.والحمد لله أن أحدًا لم يكتشف بعد أن سبب انقطاع الكهرباء هو ضعف الحبكة.لو كان السرد جيدًا، ربما جاءت الكهرباء في الفصل الثالث.
ولو كان الراوي عليمًا، ربما عرف أين اختفت الأموال.ولو كان النص متماسكًا، لعرف المواطن من أين يبدأ وأين ينتهي.لكن المشكلة أن الرواية العراقية تعاني من حبكة مضطربة، والشخصيات كثيرة، والجوائز قليلة!
وهنا تبدأ المأساة.ليس لدينا ما يكفي من الجوائز.هذه هي الكارثة الوطنية التي تستحق جلسة حوارية عاجلة.
قد يموت المواطن من الحر، لكن الكاتب يموت من قلة الجوائز.قد يقف الشاب في طابور طويل للحصول على فرصة عمل، لكن الروائي يقف في طابور أطول أمام لجنة التحكيم.
قد يبيع الأب أثاث بيته ليطعم أطفاله، بينما الكاتب يبيع شيئًا أهم بكثير:
نسخة من روايته.والله المستعان.
ثم تبدأ الأسئلة المصيرية:من يستحق الجائزة؟هل الجائزة للسرد أم للراوي؟وهل الراوي موثوق؟ وهل اللجنة موثوقة؟ وهل الجائزة عادلة؟ وهل السرد عراقي؟ وهل الرواية عراقية؟وهل الكاتب كتب الرواية فعلًا؟ وهل الرواية كتبت الكاتب؟وهل يمكن للسرد أن ينتصر على الجوائز؟
أسئلة لو سمعها سقراط لطلب اللجوء إلى العراق، ثم اكتشف أن عليه أن يدخل مسابقة حتى يحصل على حق الكلام.يا لها من نهضة!
بل إني أقترح أن نرفع مستوى المشروع الثقافي أكثر.لماذا لا ننشئ وزارة للسرد؟
تكون لها مديرية عامة للسرد الحكومي، ومديرية للسرد الشعبي، ومديرية للسرد الريفي، ومديرية للسرد الحضري، وقسم خاص بالسرد الذي لم يفز.وتكون هناك هيئة عليا للجوائز.ثم هيئة لمراقبة الهيئة العليا.
ثم لجنة لمراجعة قرارات الهيئة.ثم مؤتمر سنوي لمناقشة أسباب عدم فوز الذين لم يفوزوا.وفي نهاية العام توزع الجوائز.جائزة لأفضل سرد عن الجوع.وجائزة لأفضل رواية عن الفقر.وجائزة لأفضل نص عن البطالة.وجائزة لأفضل قصة عن الفساد.
وبالتأكيد، لا بأس أن يكون الفائز قد عاش حياته كلها بعيدًا عن الجوع والفقر والبطالة والفساد.المهم أن يكون قد كتب عنها كتابة جيدة.وهذا هو الفرق بين أن تعيش المأساة وأن تعرف كيف تصوغها في سبعمئة صفحة.العراقي البسيط لا يحتاج إلى رواية حتى يعرف معنى الفقر.
هو يعرفه شخصيًا.
لا يحتاج إلى تقنية سردية حتى يفهم معنى الانتظار.لقد انتظر الكهرباء والماء والوظيفة والمعاملة والطبيب والراتب.ولا يحتاج إلى راوٍ غير موثوق. لقد قابل في حياته ما يكفي من الرواة الموثوقين جدًا!
كل واحد منهم قال له:—اصبر، الأمور بخير.وهو منذ عشرين عامًا ينتظر أن تظهر هذه «الأمور» ليتعرف إليها.
لكن لا بأس.فلنناقش السرد.السرد مهم.والجوائز مهمة.والثقافة مهمة.
لكن السؤال الذي يبدو أن القاعة تخشى طرحه هو:—متى تصبح الثقافة ثقافة فعلًا، لا حفلةً مغلقة تتبادل فيها النخب التصفيق؟
متى تنزل الثقافة من منصة الندوة إلى الشارع؟
متى ترى المثقف وهو يكتب عن الإنسان الذي لا يعرف أصلًا أن هناك شيئًا اسمه «السرد»؟ متى يصبح المثقف مزعجًا؟ليس للكاتب المنافس، ولا للجنة التحكيم، ولا للناشر، بل للخراب نفسه؟هذه هي المشكلة.أن يتحول المثقف من صاحب سؤال إلى صاحب ملف.ومن صاحب موقف إلى صاحب ترشيح.ومن صاحب قضية إلى صاحب جائزة.ومن إنسان يصرخ في وجه الخراب إلى إنسان يسأل:/-متى موعد إعلان النتائج؟ وهنا  نفهم لماذا أصبح لدينا هذا الكم الهائل من الكتب، وهذا الكم الهائل من الجوائز، وهذا الكم الهائل من الاحتفالات، بينما الواقع نفسه يصرخ:يا جماعة، هل من أحد يقرأني؟ الواقع العراقي هو الرواية الوحيدة التي لم تفز حتى الآن بأي جائزة.رواية طويلة جدًا.بلا نهاية.بلا محرر.
بلا لجنة تحكيم.والأسوأ من ذلك أنها تُكتب أمامنا كل يوم، ونحن بدل أن نغير أحداثها، نجتمع لنناقش:هل السرد جيد؟نعم، السرد جيد جدًا. بل ممتاز.أما الحياة…فهي التي تحتاج إلى إعادة كتابة.لكن يبدو أن لا أحد يريد أن يمسك القلم.،،ويجلس بين الناس لا على منصة محاطة بالزهور الصناعية،والابتسامات الاكثر زيفاً من ابتسامات عيدي أمين رحمه الله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى