اراء

إيران لن تظل وحدها.. وإسرائيل في مأزق

بقلم: نسيمة عبد الرحمن..

من منا لا يحب الألوان؟ أساسًا، هذا ما نتعلمه منذ بداية تعرفنا إلى الحياة، عندما نكتشف بأصابعنا الصغيرة، ومن خلال أقلامنا وألواننا الأولى، أهمية هذه الأنامل في الرسم والكتابة والتعبير عما في داخلنا.

اختيار كل لون يحمل شيئًا مما في داخلنا؛ فهو وسيلة للتعبير عن الجمال، وعن الفرح، لكن عندما تأخذ الألوان منحى آخر، وتتجاوز حدود الرسم والتعبير، لتتحول إلى «شخبط شخابيط» ترسم بها خطوطًا وخرائط، وتُحدَّد من خلالها مصائر شعوب بأكملها، فهنا تكمن المعضلة، لم تعد مجرد «شخبط شخابيط» بريئة على ورقة طفل، يمكن محوها بممحاة والبدء من جديد، بل خطوط تُرسم على الأرض، وتُفرض بالقوة، وتترك وراءها آثارًا يصعب محوها.

ولعل المشهد اليوم أكثر وضوحًا حين ننظر إلى ما يفعله الكيان الصهيوني في منطقة الشرق الأوسط، وكأنه يرسم «قوس قزح» خاصًا به، لا ليزيّن به السماء، ولا ليبعث الأمل في النفوس، بل ليرسم به حدودًا وفق رؤيته التوسعية، على حساب سيادة دول وشعوب.

وفي خضم هذه الدوامة، هناك من يمسك بالأقلام، وهناك من يتكفل بتمويلها، ومن يتولى بَرْيَها حتى تصبح حادة، لتُستخدم في رسم واقع جديد، واقع يتغير لونه كل يوم؛ ينتقل من الأبيض إلى الأزرق، ومن الأزرق إلى الأصفر، ليصطدم في النهاية باللون الأحمر؛ اللون الذي لا يكتفي برسم حدود جديدة، بل قد يقلب المعادلة ويفرض واقعًا يصطدم بمصالح الكيان الصهيوني.

ورغم كل التنازلات والمفاوضات التي تبدو بلا جدوى ولا أمل، يستمر المشهد في الدوران بالحلقة نفسها. فبعد ما شهدته غزة من دمار هائل وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا، لا تزال إسرائيل تهدد وتتوسع، مرة تحت مسمى الخط الأصفر، ومرة بالخط الأزرق أو الأبيض، بينما لم ترَ الشعوب العربية، في المقابل، إلا الخطوط السوداء: خطوط الحرب والدمار والفقدان.

ومن فلسطين إلى جنوب لبنان وسوريا، تتكرر الاعتداءات والانتهاكات، في مشهد يبدو جديدًا في تفاصيله، لكنه قديم في جذوره ومتجدد في أحداثه. وكأن الألوان التي بدأنا بها طفولتنا، والتي كانت يومًا وسيلة لرسم الزهور والشمس والسماء، تحولت في عالم السياسة والحروب إلى أدوات لإعادة رسم المنطقة، وتفتيت شعوبها، وتشتيت انتماءاتها، بعد أن نجحت الفتن، إلى حد كبير، في زرع الشقاق بينها.

ومطالبة إسرائيل الفصائلَ المقاومة بتسليم سلاحها، في ظل استمرار التهديد والاعتداء، أشبه بمن يطلب منك أن تتعرّى، وأن تخرج إلى العلن، لتُسلِّم نفسك لمن يريد اغتصابك أمام الملأ. فكيف يمكن التخلي عن وسيلة الدفاع عن النفس بينما لا يزال التهديد بالاعتداء قائمًا؟.

ويصرّ الكيان الصهيوني على إقناع الرأي العام بأنه يمدّ يد السلام، لكن أيّ سلام هذا الذي تمتد إليه يدٌ حمراء؟ فاللون الأحمر يبدو وكأنه اللون الذي يعشقه ويعرفه منذ وجوده، وكأنه لا يرى في الألوان إلا هذا اللون؛ لون الدم. في حين أنه يستولي على أرض عُرفت يومًا بزراعة الزهور بمختلف ألوانها وروائحها، ليحوّلها إلى مساحة تُرسم فيها الحدود بالموت بدل الحياة.

لقد وضعت إسرائيل نفسها في مأزق، حين تصورت أن الشعوب ستستسلم أمام الانتهاكات، وأن الألم والجوع والفقدان كفيلة بإخماد إرادتها، لكنها أغفلت أن النضال، في نظر الشعوب التي تنشد حريتها وكرامتها، قد يمتلك قدرة هائلة على تحمّل قسوة المحن، مهما بلغ ثمنها.

فالجوع مؤلم، والفقدان موجع، والألم يترك ندوبًا لا تزول بسهولة، لكن الكرامة والسيادة والحرية ليست شعارات تُمنح بالمجان؛ لها ثمن، ولا بدَّ من دفعه، مهما كان الطريق شاقًا ومليئًا بالتضحيات.

وهذا ما تواجهه إيران اليوم منذ بداية الصراع والحرب عليها، إلا أن هذه الحضارة العريقة، صاحبة العقول البارعة والتأريخ الممتد، لا يمكن اختزالها في لحظة حرب، ولا يمكن افتراض أن تحطيمها سيكون أمرًا يسيرًا كما قد يتمنى خصومها.

وفي الحقيقة، يبدو أن وراء هذا الصراع أبعادًا تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة، لتلامس صراعًا أوسع على النفوذ والهيمنة الاقتصادية العالمية، في عالم تتنافس فيه القوى الكبرى على رسم ملامح المستقبل. وربما يكون المستهدف الأبعد هو «التنين الأحمر»، الذي لم يُظهر، حتى اليوم، سوى جزء محدود من ردّة فعله.

وربما لم تدق الساعة بعد للدخول المباشر في الصراع القائم؛ فالمصالح والمنافسة بين القوى الكبرى تحتاج إلى نفس طويل، وحسابات دقيقة، ولا تُحسم دائمًا بردود الفعل السريعة. لعلّ إيران تجد نفسها اليوم في الواجهة، تدافع عن مصالحها ومصالح عدد من حلفائها، ومن الصعب الجزم بأنها ستُترك وحيدة في مواجهة تداعيات هذا الصراع.

زمن القطب الواحد قد ولّى، والعالم يتجه، شيئًا فشيئًا، نحو مشهد أكثر تعددًا في مراكز القوة والنفوذ. وهنا لا يعود الصراع مجرد خطوط وألوان تُرسم على الخرائط، بل معركة أوسع حول من يملك القلم، ومن يملك القدرة على رسم الخطوط، ومن يستطيع أن يمنع الآخرين من إعادة رسمها.

وعلى شعوب المنطقة أن تدرك أنها قادرة على رسم مستقبلها بنفسها، وأن استعادة سيادتها تكمن في وحدتها، وفي قدرتها على الدفاع عن مصالحها، بعيدًا عن الانقسامات التي أضعفتها وأتاحت للآخرين أن يرسموا مصيرها بدلًا منها. فالعدو يبقى عدوًا، حتى لو بدا لك في شكله حميمًا.

وهنا تكمن المفارقة: كلما ظن أحد أن بإمكانه رسم واقع جديد بالقوة، قد يكتشف أن هناك شعوبًا لا تقبل أن تُمحى من الخريطة بمجرد قلم، ولا أن تتحول حياتها إلى مجرد «شخبط شخابيط» على ورقة يمكن تمزيقها.

والردع لم يعد نظرياً، بل صار واقعاً يربط الخليج بجنوب لبنان بغزة بالضفة.

اليوم أية مغامرة إسرائيلية ضد إيران تعني اشتعال كل الجبهات مع بعض،

لذلك يترددون لأنهم يعلمون ان الضربة على طهران هي إعلان حرب إقليمية شاملة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى