اراء

العقوبات الأمريكية على إيران.. حدود القوة أمام المصالح الصينية

بقلم: تمارا برو..

بعد تعثّر الخيار العسكري في إخضاع إيران، تنقل الولايات المتحدة ثقل المواجهة إلى المجال الاقتصادي، عبر تشديد العقوبات ومحاولة قطع ما تبقّى من القنوات المالية والتجارية التي تتيح لطهران الحصول على الإيرادات.

وفي أحدث خطواتها، أعلنت إدارة الرئيس دونالد ترامب توسيع حملة العقوبات على إيران وشبكاتها المالية والتجارية، مستهدفة عشرات الأفراد والكيانات المرتبطة بها. وشملت الإجراءات الأخيرة فروع بنك مصر في الإمارات، إلى جانب جهات أخرى مرتبطة بشبكات مالية إيرانية.

لكنّ المشكلة الأساسية أمام واشنطن لا تكمُنُ فقط في قدرة إيران على الالتفاف على العقوبات، وإنما في وجود الصين باعتبارها أكبر شريان اقتصادي للنفط الإيراني. وتشير وزارة الخزانة الأميركية إلى أنّ الصين تستحوذ على نحو 90% من صادرات النفط الإيرانية، فيما تؤدّي المصافي الصينية المستقلة المعروفة باسم “Teapot Refineries” دوراً رئيساً في شراء هذا النفط وتكريره.

ولهذا استهدفت واشنطن بالفعل عدداً من المصافي الصينية المستقلة. وحتى أبريل الماضي، فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على خمس مصافٍ صينية مستقلة، كما حذّرت المؤسسات المالية من مخاطر التعامل مع المصافي التي تستورد النفط الإيراني.

لكنّ استهداف المصافي الصغيرة يختلف جذرياً عن استهداف البنوك الصينية الكبرى أو المؤسسات المالية المملوكة للدولة. وهنا تظهر حدود القوة الأميركية؛ ففرض عقوبات مباشرة على مؤسسات مالية صينية كبرى قد يحوّل العقوبات من أداة للضغط على إيران إلى مواجهة مالية مباشرة مع الصين.

ولهذا تبدو واشنطن حذرة في التعامل مع بيجين. فعندما سُئل وزير الخزانة سكوت بيسنت عن احتمال استهداف البنوك الصينية، لم يغلق الباب أمام هذا الخيار، لكنه شدّد على أنّ أفضل وسيلة للتعامل مع الدول هي “الدبلوماسية الهادئة“.

وربما تعكس هذه اللهجة الحذرة رغبة واشنطن في تجنّب فتح جبهة جديدة مع بيجين، ولا سيما في ظلّ القمة المقرّرة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ، والتي قد تفضي إلى تفاهمات تجارية.

لكنّ الحسابات الأميركية لا تتعلّق فقط بالقمة أو بالعلاقات الثنائية؛ فواشنطن تدرك أنّ توسيع العقوبات لتطال المؤسسات الصينية الكبرى قد يرفع كلفة المواجهة إلى مستوى يصعب احتواؤه، خصوصاً أنّ النظام المالي العالمي شديد الترابط. ولهذا قال بيسنت، في معرض ردّه عن سؤال حول سبب عدم فرض عقوبات أوسع، إنّ واشنطن تمنح الدول فرصة لتصحيح سلوكها، متسائلاً: “لماذا أريد تفجير النظام المالي العالمي؟

وتزداد حساسية هذا الخيار في ظلّ التحدّيات المالية والاقتصادية التي تواجهها الولايات المتحدة؛ فقد تجاوز الدين الفيدرالي الأميركي 40 تريليون دولار، فيما يتجه العجز ومدفوعات خدمة الدين إلى الارتفاع. وبالتالي، فإنّ الدخول في مواجهة مالية واسعة مع الصين قد يفرض على واشنطن كلفة اقتصادية لا تقلّ أهمية عن الضغط الذي تريد ممارسته على طهران.

تجربة أوباما.. حدود العقوبات أمام الصين

التعقيدات التي تواجهها واشنطن اليوم في محاولة خنق الاقتصاد الإيراني تذكّر إلى حدّ كبير بما واجهته إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما. فقد انتقد الرئيس ترامب سياسة أوباما، معتبراً أنها منحت طهران فرصة لتطوير برنامجها النووي بدلاً من الحدّ منه.

لكنّ اللافت أنّ إدارة أوباما، رغم تشدّدها في استخدام العقوبات، تجنّبت الإقدام على استهداف المصارف الصينية الكبرى المملوكة للدولة، وركّزت بدلاً من ذلك على بنوك صينية أصغر.

الصين.. بين حماية إيران وتجنّب مواجهة واشنطن

لا تنظر الصين إلى الملف الإيراني باعتباره قضية تخصّ طهران وحدها، بل تراه أيضاً اختباراً لمدى قدرة الولايات المتحدة على استخدام العقوبات الثانوية ضدّ الشركات والمصارف والقطاعات الاقتصادية الصينية.

ولهذا، عندما فرضت الولايات المتحدة عقوبات مباشرة على عدد من المصافي الصينية المستقلة بسبب شرائها النفط الإيراني، رفضت بيجين الضغوط الأميركية، مؤكّدة أنّ تعاونها الاقتصادي مع إيران يتمّ في إطار القانون الدولي، وأنّ العقوبات الأميركية الأحادية لا تتمتع بالشرعية الدولية التي تلزمها.

ومؤخّراً، وبعد فرض واشنطن عقوبات ثانوية على طهران، أعلنت بيجين أنها ستتخذ جميع الإجراءات اللازمة للدفاع عن حقوقها ومصالحها.

وهنا تحديداً تظهر البراغماتية الصينية: بيجين لا تريد التخلّي عن مصالحها النفطية والتجارية مع إيران، لكنها في الوقت نفسه لا تريد تحويل الملف الإيراني إلى مواجهة مفتوحة مع واشنطن.

الصين لا تريد إخضاع إيران..ولا مواجهة أمريكا

في إطار أوسع لا تريد الصين أن تنتهي المواجهة إلى إخضاع إيران بالكامل للولايات المتحدة أو أن تظهر واشنطن باعتبارها الطرف المنتصر؛ لأنّ مثل هذا السيناريو قد يعيد تشكيل ميزان القوى في الشرق الأوسط بطريقة تضرّ بالمصالح الصينية.

لكنّ هذا لا يعني أنّ بيجين تريد مواجهة أميركية ـ إيرانية مفتوحة أو حرباً طويلة. على العكس، مصلحتها تكمُنُ في الحفاظ على قدر من الاستقرار يسمح باستمرار تدفقات الطاقة والتجارة، ويمنع انهيار إيران أو خروجها بالكامل من دائرة النفوذ الصيني.

وبمعنى آخر لا تريد بيجين أن تخسر إيران، لكنها أيضاً لا تريد أن تخسر الولايات المتحدة. لذلك لا تبدو استراتيجيتها قائمة على اختيار أحد الطرفين، وإنما على إدارة التناقض بينهما بما يحافظ على مصالحها الاستراتيجية.

وفي هذا السياق، يُرجّح أن تواصل الصين حماية مصالحها مع إيران، مع تجنّب الانزلاق إلى مواجهة اقتصادية مباشرة مع الولايات المتحدة. وستبقى بيجين، على الأرجح، تفضّل تفاهماً مستداماً بين طهران وواشنطن يوقف التصعيد ويحافظ على استقرار المنطقة دون أن يؤدّي إلى انهيار إيران أو خروجها بالكامل من الفلك الصيني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى