اراء

بعد تجدد الضربات.. هرمز ليس الهدف بل ورقة إعادة رسم الخليج

بقلم: د. ميساء المصري..

مع تجدد الضربات في الإقليم من جديد، هناك خطأ استراتيجي محتمل في قراءة ما يجري بين الولايات المتحدة وإيران باعتباره مجرد محاولة أمريكية للانتقال من الحرب إلى العقوبات، أو باعتباره سلسلة متقطعة من الضربات المتبادلة، وكأن الصراع انتقل إلى محاولة تحديد من يملك حق تعريف قواعد الأمن في الخليج، ومن يملك القدرة على فتح مضيق هرمز أو إغلاقه أو تنظيم المرور فيه.

وهنا تكمن ضبابية استراتيجية ترامب بقص العشب، رغم عملية شراء الوقت للجميع لما بعد الانتخابات الأمريكية.

فالضربة الأمريكية الأخيرة على مواقع إيرانية قرب المضيق، ثم الرد الإيراني على قواعد أمريكية في المنطقة، لا تعني بالضرورة أن واشنطن قررت العودة إلى حرب شاملة، لكنها تعني شيئاً أكثر حساسية بأن الولايات المتحدة لم تعد مستعدة لقبول أن يتحول خفض العمليات العسكرية إلى فقدان السيطرة على البيئة الاستراتيجية المحيطة بهرمز.

واشنطن تعتبر إن ضرباتها جاءت رداً على محاولات إيرانية لاستهداف الملاحة التجارية وزرع ألغام في المضيق، رغم ان إيران زرعت منذ مدة طويلة تحسبا لأي سيناريو نحو مليون و800 لغم بحري وبري حول الحدود الاستراتيجية، بينما توعد ترامب برد أقسى إذا ردت طهران لسحب الإنجاز الايراني. وهذا هو الفخ.

فكلما حاولت واشنطن تقليص الحرب، أصبح عليها أن تثبت قدرتها على التصعيد. وكلما أثبتت قدرتها على التصعيد، ازدادت احتمالات أن تجد نفسها داخل حرب جديدة.

المعضلة الأمريكية ليست كيف تضرب إيران، وإنما كيف تضربها من دون أن تصبح الضربة نفسها آلية لاستمرار الحرب.

لقد تحول هرمز إلى نقطة تقاطع بين ثلاثة أنواع من القوة، القوة العسكرية، والقوة الاقتصادية، والقوة الجغرافية. ومن هنا فإن العقوبات الأمريكية على إيران ليست منفصلة عن المعركة البحرية، إنها الوجه الآخر لها.

وفي المقابل، تريد إيران أن تثبت أن امتلاكها مواقع وجزراً ومنشآت ساحلية وصواريخ وطائرات مُسيرة يمنحها قدرة على جعل أية محاولة أمريكية لإدارة المضيق مكلفة ومستمرة، ثم ماذا بعد؟.

هل يستطيع ترامب السيطرة على هرمز؟ وهل يستطيع فرض نظام جديد في هرمز من دون احتلاله، ومن دون حرب مفتوحة، ومن دون أن تتحول إيران إلى قوة محاصرة أكثر تشدداً؟ إذن هنا تتصل الجبهة الخارجية بالجبهة الداخلية الإيرانية.

فالتوجه الإيراني نحو تشديد الرقابة وتوسيع صلاحيات الأجهزة الأمنية، وربط المجالات الأكاديمية والثقافية والإعلامية بمفهوم مكافحة التغلغل، ليس مجرد تشريع أمني، إنه مؤشر إلى أن الدولة الإيرانية نفسها بدأت تتعامل مع الحرب باعتبارها صراعاً على بقاء النظام، وليس فقط صراعاً على البرنامج النووي أو النفوذ الإقليمي، وقد أثارت مشاريع القوانين المقترحة مخاوف من دفع إيران إلى مزيد من العزلة.

وهنا تظهر المفارقة فكلما زاد الضغط الأمريكي، زادت قدرة المتشددين داخل إيران على تقديم الانغلاق باعتباره ضرورة أمن قومي. وكلما زادت إيران انغلاقاً، أصبح التفاوض معها أصعب، وأصبح الخيار العسكري أكثر إغراءً لدى خصومها، إذن إنها دائرة استراتيجية مغلقة.

وإذا كانت طهران تسير باتجاه نموذج أمني أكثر انغلاقاً، فهل تكون كما يروج الإعلام الإسرائيلي الموسادي إلى نسخة مكررة من كوريا الشمالية ونظام لا ينبغي فهمه حرفياً. لذلك يهدد ترامب بتدميرها وتحويلها الى جمهوريات، إيران ليست كوريا الشمالية، ولا تمتلك البنية الجيوسياسية نفسها، لكنها قد تتبنى بعض آليات الدولة المحاصرة وتحويل العقوبات والحرب إلى مبرر لإعادة تعريف المجتمع نفسه باعتباره ساحة أمنية.

أما التطور الآخر التي تحاول اسرائيل استغلاله بالمرحلة المقبلة ضد إيران هو الجزر والممرات البحرية.

فالجزر الثلاث أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى، التي تسيطر عليها إيران وتطالب بها الإمارات، تقع في منطقة تمنحها قيمة استراتيجية استثنائية بسبب موقعها بالنسبة إلى الممر الملاحي. وقد أعادت الحرب الحالية هذه الجزر إلى قلب الحسابات العسكرية. وهنا يجب الحذر من قراءة الحديث عن الجزر باعتباره مجرد نزاع سيادي قديم. بل في ظروف الحرب، تتحول الجغرافيا إلى سلاح.

ومن الخطأ افتراض أن أي طرف يحتاج بالضرورة إلى احتلال الجزر كي يغير ميزان القوى، يكفي أن تصبح الجزر مناطق منزوعة السلاح، أو مواقع مراقبة دولية، أو قواعد مؤقتة، أو نقاطاً تتحكم في الحركة البحرية، حتى تتغير معادلة الخليج بأكملها.

ان أية محاولة للاستيلاء على الجزر تعني انتقال الصراع من الحرب على القدرات الإيرانية إلى الحرب على الأرض الإيرانية نفسها. وقد أشارت تحليلات عسكرية إلى أن الاستيلاء على جزر صغيرة ممكن عسكرياً، لكن الاحتفاظ بها وحمايتها وامدادها في مواجهة الصواريخ والطائرات المسيرة والزوارق الإيرانية مسألة مختلفة تماماً.

ومن هنا يجب النظر بعين شديدة الحذر إلى الحديث عن دور إسرائيل في إعادة تشكيل الصراع الخليجي.

وهنا تدخل دول الخليج في متاهة المنطقة الرمادية، فهي تحتاج إلى الحماية الأمريكية، لكنها لا تريد حرباً تجعل منشآتها النفطية وموانئها وقواعدها أهدافاً دائمة. وتحتاج إلى احتواء إيران، لكنها لا تستطيع ان تتحمل انهيارا كاملا في أمن الملاحة. وتريد استعادة الاستقرار، لكنها تجد نفسها مضطرة للتعامل مع صراع تتداخل فيه الحسابات الأمريكية والإسرائيلية والإيرانية. باب المندب، البحر الأحمر، مضيق هرمز، بحر العرب، خليج عمان كلها غير أمنة رغم الحصار البحري على إيران ورغم كل القواعد الأمريكية في المنطقة مما يشكك بكل ما يحصل من مهددات وتحالفات.

أما ترامب، فإنه الآن أمام معادلة صعبة، إذا تراجع، قد يُفسَّر ذلك في طهران على أنه تراجع أمريكي عن فرض قواعد هرمز. وإذا صعّد، فقد يحوّل الحرب المحدودة إلى حرب استنزاف لا يريدها. وإذا اعتمد على العقوبات وحدها، فقد يكتشف أن العقوبات تحتاج إلى قوة عسكرية تحميها. وإذا اعتمد على القوة العسكرية وحدها، فقد يفقد الهدف الاقتصادي الذي بدأ من أجله الضغط.

لذلك فإن استراتيجية واشنطن تبدو أقرب إلى محاولة بناء (هرمز أمريكي بلا احتلال أمريكي) وإبقاء القدرة على ضرب أي تهديد للملاحة، خنق الاقتصاد الإيراني، منع إعادة بناء القدرات العسكرية، والاحتفاظ في الوقت نفسه بباب تفاوضي مفتوح لا يعرف ما هو.

لكن هذا النموذج لا ينجح إلا إذا اقتنعت إيران بأن كلفة تعطيل المضيق أكبر من مكاسب استخدامه، واقتنعت دول الخليج بأن النظام الأمني الجديد لا يعني تحويل أراضيها إلى ساحات حرب، واقتنعت إسرائيل بأن إضعاف إيران لا يستلزم بالضرورة تفكيك توازن الخليج كله. وحتى الآن، لا توجد ضمانة بأن هذه الشروط ستتحقق.

يكثر الحديث عن حرب مقبلة مدمرة في شهر تشرين الثاني وما بعدها لكن رغم ذلك، الخطر الحقيقي أن يصبح المضيق مفتوحاً بالاسم، لكنه يعمل داخل نظام دائم من التهديد والتفتيش والردع والضربات المحدودة المستمرة والتأمين العسكري.

ان الغبار النووي الحقيقي، قد لا يكون سحابة فوق مدينة بل قد يكون غباراً استراتيجياً يحجب عن الجميع الرؤية، إلى أن يكتشفوا أنهم تجاوزوا نقطة العودة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى