العقل بين طلب الحقيقة وتبرير الهوى.. لماذا النجاة بالقلب السليم؟

د. عقيل كريم الحسناوي..
قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ، إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (الشعراء: 88-89).
تضع هذه الآية القلب في موضع بالغ الأهمية في حياة الإنسان ومصيره؛ فالنجاة يوم القيامة لا ترتبط بكثرة المال، ولا بالمكانة، ولا حتى بمجرد المعرفة والذكاء، وإنما بأن يأتي الإنسان ربه بقلب سليم. وقد يثير هذا سؤالًا: لماذا تحدث القرآن عن سلامة القلب، مع أن الإنسان يعرف الأشياء ويميّز بينها بعقله؟
الحقيقة أن القرآن لا يقيم تعارضًا بين العقل والقلب، ولا يدعو إلى تعطيل العقل؛ بل يدعو مرارًا إلى التفكير والتدبر والتعقل. غير أن المشكلة تبدأ عندما لا يعود العقل باحثًا عن الحقيقة، بل يتحول إلى أداة لتبرير ما تميل إليه النفس أو تهواه. فالإنسان قد يعرف الخطأ، ثم يستخدم ذكاءه ومنطقه ليقنع نفسه بأن ما يفعله ليس خطأ أصلًا.
وهنا تظهر أهمية القلب السليم. فالقرآن لا يقدم القلب على أنه مجرد موضع للعاطفة، كما هو شائع في الاستعمال المعاصر، وإنما ينسب إليه الفهم والإدراك. يقول تعالى:
﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا… فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (الحج: 46).
والتعبير القرآني واضح: ﴿قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾. فالقلب هنا ليس نقيض العقل، وإنما يمثل ذلك المركز الداخلي الذي تتداخل فيه المعرفة والإرادة والضمير والاتجاه الأخلاقي. وقد يمتلك الإنسان عقلًا ذكيًا، لكنه إذا استولى الهوى على قلبه، استخدم ذكاءه لإخفاء الحقيقة بدلًا من اكتشافها.
لنأخذ مثالًا بسيطًا من الحياة اليومية: التدخين.
المدخن يعرف غالبًا أن التدخين مضر بالصحة، وأنه يهدر المال، وأن تعلقه بالسيجارة أصبح نوعًا من الاعتماد. ومع ذلك، عندما يشعر بالرغبة في التدخين يبدأ العقل أحيانًا بإنتاج الحجج: «السيجارة تهدئ أعصابي»، أو «هي مثل صديق لي»، أو «تساعدني على التركيز»، أو «كثير من الناس يدخنون ولم يصبهم شيء»، أو «سأتوقف لاحقًا».
هذه الحجج لا تعني بالضرورة أن العقل بحث بصورة محايدة ثم توصل إلى أن التدخين نافع. بل قد يكون العكس تمامًا: الرغبة قررت أولًا، ثم استُدعي العقل ليبحث لها عن مبررات.
وهنا يظهر الفرق بين العقل الذي يبحث عن الحقيقة والعقل الذي يعمل تحت سلطة الهوى. الأول يسأل: ما الصحيح؟ أما الثاني فيسأل: كيف أبرر ما أريد أن أفعله؟
وقد وصف القرآن هذه الحالة بقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ (الجاثية: 23).
ولعل أخطر ما في الآية قوله تعالى: ﴿عَلَى عِلْمٍ﴾؛ أي أن المشكلة ليست دائمًا الجهل. فقد يعرف الإنسان الحقيقة، لكنه يقدم عليها هواه، ثم يستخدم علمه وعقله ليبرر ما اختاره.
وهذه الظاهرة لا تقتصر على أخطاء شخصية بسيطة، بل قد تصل إلى أخطر الجرائم.
فالجماعات التكفيرية الإرهابية مثلًا لا تقدم القتل لأتباعها عادة بوصفه «جريمة قتل»، وإنما تبني حوله منظومة من التبريرات، فتنتزع نصوصًا من سياقها، وتسيء تفسير أحكام الجهاد والتكفير، ثم تحول قتل الأبرياء إلى فعل تزعم أنه «طاعة» أو «نصرة للدين». وهنا يصبح العقل أداة خطرة جدًا؛ لأنه لا يُستخدم لفهم النص الشرعي في مجموعه ومقاصده، وإنما لتقديم غطاء فكري وشرعي لرغبة مسبقة في العنف.



