اراء

الإمام‌ موسى الصدر.. رجل غيابه حضور

بقلم: عباس خامه يار..

بعضُ الناس، حين يرحلون، يتركون وراءهم فراغًا؛ وبعضُهم الآخر، حين يختفون، يبدأ حضورهم الحقيقي. والإمام موسى الصدر من هذا الصنف الأخير؛ رجلٌ مضى على اختطافه ما يقارب نصف قرن، ومع ذلك لا يزال حضوره نابضًا في أزقّة بيروت، وفي محاريب المساجد والكنائس، وفي ذاكرة محرومي لبنان، وفي ضمير كل إنسان ينشُدُ العدالة والكرامة.

اليوم تحلّ ذكرى اختفاء الإمام موسى الصدر ورفيقيه، الشيخ محمد يعقوب والأستاذ عباس بدر الدين؛ ذلك اليوم الذي وُلد فيه سؤالٌ كبير في تأريخ لبنان والمنطقة المعاصر:

أين موسى الصدر؟

سؤالٌ لم يجد، رغم مرور العقود، جوابًا واضحًا بعد. ولعلّ المفارقة الأشدّ إثارة للدهشة في هذه الحكاية أن غيابه الجسدي لم يستطع يومًا أن يمحو حضوره الروحي والفكري.

عام 1960، توجّه الإمام موسى الصدر إلى لبنان؛ ذلك البلد الصغير جغرافیاً والذي يحمل تأريخًا كبيرًا، لكنه كان مثقلًا بالفقر والتمييز والانقسامات الطائفية والأزمات السياسية. ذهب إلى لبنان ليكون أكثر من مجرد عالمٍ ديني أو زعيمٍ لطائفة، وسرعان ما تحوّل إلى ما هو أبعد من ذلك كله؛ صار صوتًا للمحرومين، ولسانًا للحوار، ورمزًا للتعايش.

رأى الصدر الإسلام في صورة الإنسان، ورأى الإنسان قبل أن يراه في إطار المذهب والطائفة، بمعيار الكرامة والشرف. لم يكن المسجد عنده جدارًا؛ بل كان نافذة. ولم تكن الكنيسة بالنسبة إليه «الآخر»؛ بل كانت بيتًا آخر للباحثين عن الله. ومن هذا المنظور، استطاع أن يبلغ قلب المجتمع اللبناني المنقسم، وأن يبني جسرًا من الثقة بين المسلمين والمسيحيين، وبين الشيعة والسنّة، وبين مختلف الفئات الاجتماعية.

ولعلّ أعظم فنونه كان هذا تحديدًا: في زمن كان الجميع يبنون فيه الجدران، كان هو يبني الجسور.

واليوم، فيما لا تزال منطقتنا تكابد جراح الطائفية والتطرّف والحروب والكراهية المصطنعة التي يغذّيها المستكبرون والمعتدون والمحتلون، فإن استعادة سيرة الإمام موسى الصدر ليست مجرد استذكارٍ سنوي عابر، بل هي ضرورة تتجاوز المناسبة، فهو يذكّرنا بأننا نستطيع أن نتمسّك بمبادئنا دون أن نقيم جدرانًا في وجه البشر؛ وأن نقاوم الاحتلال والعدوان من دون أن نحوّل الكراهية إلى عقيدة للحياة؛ وأن يكون الإنسان مؤمنًا، وفي الوقت نفسه، يحترم الآخر.

وفي أنحاء لبنان كافة لا تزال آثار الإمام موسى الصدر حاضرة، تارةً في ذاكرة رجل دين مسلم وقسّ مسيحي، وتارةً في حكاية أسرة محرومة، وتارةً في صورة قديمة تجمعه بأحد الأساقفة، وتارةً في مؤسسةٍ قامت على فكره وهمّته. وتكشف هذه الذكريات أن الإمام موسى الصدر ليس مجرد فصلٍ من تأريخ التشيّع في لبنان؛ بل هو جزءٌ من الذاكرة المشتركة للمسلمين والمسيحيين، ولكل طوائف هذا الوطن.

ولعلّ هذا هو السبب في أن اسمه لا يهرم مهما تعاقبت السنون.

لا يمكن البحث عن موسى الصدر في إطارات الصور القديمة وحدها، بل ينبغي أن نبحث عنه في الأسئلة التي لا تزال ماثلةً أمامنا:

ماذا نفعل إزاء الفقر؟ وكيف نتحدّث إلى الآخر؟ وكيف نعيش مع اختلافاتنا؟ والأهم من ذلك، كيف نقاوم العدو المحتل؟ وهل نستطيع أن نقيم صلةً لا تنفصم بين الإيمان والحرية والعدالة وكرامة الإنسان؟

لقد قدّم هو، قبل سنوات طويلة، إجاباتٍ كثيرة عن هذه الأسئلة، لا بالكلمات وحدها، بل من خلال ما عاشه ومارسه على أرض الواقع.

ولا يزال سؤالٌ كبير واحدٌ قائمًا؛ سؤالٌ عجز الزمن عن أن يطويه في غياهب النسيان:

أين الإمام موسى الصدر؟

إن هذا السؤال لا يتعلّق بمصير إنسانٍ واحد فحسب؛ بل يتعلّق بالحقيقة والعدالة، وبمسؤوليتنا نحن أمام التأريخ. وما لم تتجلَّ الحقيقة، فلن تُغلق قضيته.

ومع ذلك، لعلّنا نستطيع أن نقول بثقة:

إن الرجل الذي عاش من أجل الإنسان، حتى لو ظللنا عقودًا من الزمن لا نعرف عنه شيئًا، لن يغيب أبدًا عن ذاكرة البشر.

الإمام موسى الصدر غائب؛ لكن غيابه نفسه تحوّل إلى روايةٍ أخرى من روايات الحضور.

رحم الله ذكراه، وأنار دربه، وقَرَّبَ يوم انكشاف مصيره.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى