اخر الأخبارثقافية

حيدر اللامي يرسم لغة خفية تجمع بين الوجع الإنساني والرغبة في تجاوزه

المراقب العراقي/ أميرة ناجي..

هناك لوحات لا تكتفي بأن تُرى بل تشعر بها، تقف أمامها فتدرك أن ما فيها يتجاوز حدود الشكل واللون، وأنها تخفي وراء خطوطها حكايات صامتة عن الإنسان، وعن الأثقال التي يحملها في قلبه دون أن يراها أحد.

من هذا الفضاء الإنساني تنطلق لوحة هموم للفنان حيدر اللامي لتضعنا أمام تجربة بصرية مشبعة بالتأمل، حيث يتداخل الحزن مع الأمل، والثقل مع الرغبة في الصعود والإنسان مع ما يحيط بروحه من أسئلة.

“اللون قوة تؤثر مباشرة في الروح” فاسيلي كاندينسكي.. تفتح هذه المقولة نافذةً عميقة لقراءة لوحة هموم لأن اللون فيها لا يؤدي وظيفة شكلية عابرة، بل يتقدم حاملاً أصداء الحالة النفسية للعمل. فالأسود والرمادي والدرجات الترابية لا تمر أمام العين بهدوء، بل تترك في النفس إحساساً بالثقل والقلق والذاكرة، فيما تأتي المساحات الدافئة لتفتح ثغرات صغيرة أمام الضوء.

(هموم) هي العتبة الأولى للدخول إلى عالم اللوحة، كلمة قصيرة، لكنها محمّلة بما تختزنه الروح من تعب وصمت وذكريات. واللافت أن الفنان لا يقدّم الهمّ بصورة مباشرة أو خطابية، فلا نرى وجهاً غارقاً في البكاء، ولا مشهداً مأساوياً واضحاً، بل نلمس الحزن متوزعاً في بنية العمل كلها، في الكتل المتجاورة، وفي التشققات، وفي العلاقات المتوترة بين الأشكال.

في مركز اللوحة تقف الهيأة الإنسانية وقد اختُزلت تفاصيلها لتتحول إلى علامة تحمل معنى أوسع، إننا أمام إنسان مثقل بما يحمله، وكأن الجسد نفسه أصبح مستودعاً للسنوات وما تركته من آثار. وهذا الاختزال يمنح العمل طاقة رمزية، فيصبح الشكل قريباً من كل متلقٍ يجد شيئاً من حكايته الخاصة داخل هذه الكتلة الصامتة.

ويظهر فوق الهيأة طائرٌ يلفت النظر بحضوره الرمزي، فهو يقابل ثقل الجسد بإيحاء الحرية، لكنه لا يبتعد ولا يحلّق في فضاء مفتوح، بل يبقى قريباً من الإنسان، كأن الأمل يرافقه رغم كل ما يثقله، وإلى جواره تتشكل كتلة ذات امتدادات حادة، تحمل شيئاً من الحلم أو الرغبة في الانعتاق فتتولد بين العناصر لغة خفية تجمع بين الوجع والرغبة في تجاوز الوجع.

أما البنية الصاعدة في الجانب الأيمن فتستحضر شكل السلم أو الطريق الممتد إلى الأعلى، حضورها ليس تفصيلاً هامشياً، بل يمنح التكوين حركةً مضادة لثقل الجسد، فإذا كانت الهموم تدفع الإنسان إلى الانحناء، فإن هذا الخط الصاعد يفتح أمامه فكرة النهوض، وكأن الفنان يضع في قلب اللوحة احتمالاً آخر، يقول إن التعب قد يرافقنا، لكنه لا يلغي قدرتنا على مواصلة الطريق.

ويبرز الجانب التقني في العمل من خلال المعالجة السطحية الغنية بالملامس. فاللوحة لا تعتمد سطحاً ناعماً ومستقراً، بل تتشكل عبر طبقات متراكبة وإحساس واضح بالتشقق والتآكل. وتبدو المادة اللونية وكأن الزمن مرّ عليها وترك بصماته، فصار السطح قريباً من جدار قديم حفظ آثار ما مرّ به.

هذا التكنيك يمنح اللوحة قوتها التعبيرية، لأن التشققات والبقع والتراكمات تصبح جزءاً من المعنى. فالهموم أيضاً تترك في الإنسان آثاراً لا تُرى دائماً، لكنها تبقى محفورة في داخله. وهنا يتحول ملمس اللوحة إلى لغة بصرية توازي ما تحمله الفكرة من عمق.

اعتمد الفنان على تراكب طبقات اللون، مع إظهار أجزاء منها بطريقة توحي بالتقشر والانكشاف. وهذه التقنية تخلق حواراً بين الظاهر والمخفي، وبين ما تراكم فوق السطح وما بقي منه في العمق. وكأن كل طبقة تحمل زمناً أو شعوراً أو ذكرى حتى يصبح العمل مساحةً تتجاور فيها حالات متعددة.

لونياً، تهيمن درجات الأسود والرمادي والأبيض المعتق وهي ألوان تمنح اللوحة إحساساً بالثقل والقدم وعمق التجربة. فالأسود يحيط ببعض العناصر ويمنحها حضوراً درامياً، فيما تبدو الدرجات الرمادية والبيضاء كآثار ضوءٍ يحاول أن يجد طريقه وسط العتمة.

وفي المقابل، تظهر درجات البرتقالي والبني والذهبي لتضيف حرارةً إلى البناء اللوني. هذه المساحات لا تمحو الحزن، لكنها تخلق توازناً بصرياً ونفسياً، وتبدو كنبضات حياة داخل عالم مثقل، إنها أشبه بذكرى دافئة تظل مضيئة رغم ما يحيط بها من عتمة.

هموم ليست حديثاً عن الحزن وحده بل عن الإنسان الذي يواصل الوقوف رغم ما يحمله. عن روحٍ تتعب، لكنها لا تكف عن البحث عن منفذ للضوء. وبين ثقل الكتل، وتصدعات السطح وحضور الطائر، وخطوات الصعود يترك الفنان نافذةً صغيرة للأمل، كأن اللوحة تهمس لنا قد تثقل الهموم القلب، لكنها لا تستطيع دائماً أن تمنعه من مواصلة الطريق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى