اخر الأخبارالنسخة الرقميةتقارير خاصةسلايدر

أزمة السكن تدفع المواطن نحو التجاوز والتعدي على أملاك الدولة

بسبب تقصير الحكومات بإيجاد المعالجات


المراقب العراقي/ أحمد سعدون..


فتحت حادثة الدورة وما رافقها من تداعيات دامية، ملف التجاوزات على أراضي الدولة، في ظل اتساع رقعة العشوائيات والمجمعات السكنية غير النظامية في عدد من المحافظات، وسط انتقادات للحكومات المتعاقبة بسبب عدم إيجاد حلول جذرية لأزمة السكن والتعامل مع التجاوزات بعد تحولها إلى أحياء سكنية مكتملة.
ويرى مراقبون، أن تفاقم أزمة السكن وارتفاع أسعار الأراضي والعقارات، بالتزامن مع النمو السكاني، دفع شرائح واسعة من المواطنين إلى البحث عن حلول خارج الأطر القانونية، من خلال السكن في أراضٍ متجاوز عليها أو شراء قطع يجري تقطيعها وبيعها بصورة غير أصولية.
ويؤكد مراقبون، أن المسؤولية لا تقع على المواطنين وحدهم، إذ إن انتشار هذه المناطق بهذا الحجم يعكس وجود خلل في منظومة الرقابة والمتابعة، خصوصا عندما تبدأ المخالفة بتسييج أرض أو تقطيعها ثم تتحول تدريجياً إلى قطع مباعة ومنازل مشيدة ومناطق مأهولة بالسكان.
وتبدأ المخالفة قانونياً، بحسب مختصين، من تغيير جنس الأرض من زراعية إلى سكنية أو من سكنية إلى تجارية أو شبه تجارية من دون استحصال الموافقات الرسمية، قبل أن تتطور إلى عمليات تقطيع وبيع وبناء من دون إجازات أصولية.
ولا تتوقف المشكلة عند البناء، بل تمتد إلى إدخال مواد البناء إلى مواقع غير مرخصة وإيصال خدمات الماء والكهرباء إلى مناطق نشأت خارج التخطيط الحضري، الأمر الذي يفرض أعباءً إضافية على مؤسسات الدولة ويزيد الضغط على شبكات الخدمات، فضلا عن انتشار المدن غير النظامية وما تسببه من خسائر ومخاطر.
وتبرز حادثة الدورة، وفق مراقبين، كأحد الأمثلة على تعقيدات هذا الملف، بعدما تحولت الأراضي المتجاوز عليها من مساحات جرى تقطيعها وتسييجها إلى وحدات سكنية تقطنها عائلات، لتأتي عمليات رفع التجاوز في مراحل لاحقة، وهو ما يثير تساؤلات عن أسباب عدم التدخل الحكومي في المراحل الأولى من المخالفة.
ويشدد مراقبون على أن معالجة التجاوزات لا يمكن أن تقتصر على إزالة المنازل، لأن ذلك قد يضع آلاف العائلات أمام أزمة جديدة، مؤكدين ضرورة وضع إطار قانوني واضح للعشوائيات القائمة، يحدد الحالات التي يمكن تصحيح أوضاعها وتلك التي تستوجب الإزالة، مع توفير بدائل سكنية للحالات المستحقة وفق ضوابط مدروسة.
وفي المقابل، تتحمل الحكومات المتعاقبة جانباً كبيراً من المسؤولية عن تفاقم الظاهرة، نتيجة عدم توفير وحدات سكنية وقطع أراضٍ مخدومة تتناسب مع حجم الطلب، رغم طرح مبادرات ومشاريع سكنية متعددة خلال السنوات الماضية، إلا أنها ذهبت أدراج الرياح وارتمت في خانة الوعود الانتخابية فقط.
وفي السياق نفسه، أكد المهتم بالشأن الاقتصادي ضياء الشريفي في حديث لـ”المراقب العراقي”، أن “الحكومة مطالبة بتوفير أراضٍ سكنية مخدومة للمواطنين والموظفين ضمن خطط تقوم على التخطيط الحضري ودراسة الكثافة السكانية وحاجة كل منطقة، بالإضافة الى تفعيل الرقابة المشددة على أي أراضٍ يتم التجاوز عليها ومحاسبة المتسببين قبل ان تتفاقم وتتحول الى مدن تصعب ازالتها.”
وفي الوقت نفسه، دعا الشريفي إلى حملات توعية واسعة تحذر من عمليات البيع غير القانونية وتوضح مخاطر شراء الأراضي غير الأصولية، إلى جانب تشديد الإجراءات بحق الوسطاء والمتاجرين بالأراضي والمتورطين في تسهيل عمليات التقطيع والبناء. كما أكد “ضرورة فتح تحقيقات في جميع مراحل نشوء التجاوزات، بدءاً من تقطيع الأراضي وتسييجها ووصولا إلى عمليات البيع وإيصال الخدمات، لتحديد الجهات التي قصرت في أداء واجباتها، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في حماية هذه المخالفات أو التغاضي عنها”.
وتؤكد تداعيات حادثة الدورة – بحسب مراقبين – أن ملف العشوائيات في العراق لم يعد مجرد مشكلة تتعلق بمخالفة بناء، بل أصبح قضية متشابكة تجمع بين أزمة السكن والتخطيط والخدمات وتطبيق القانون، الأمر الذي يستدعي إيجاد حل حقيقي من خلال توزيع أراض سكنية تتوافق مع التوسع البشري، بدلاً من انتظار تحول التجاوزات إلى مدن مكتملة يصعب التعامل معها مستقبلاً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى