اخر الأخبارثقافية

“موسيقى التَّماثيل الحيَّة” شهادة شعرية على زمن عراقي مُثقل بالذاكرة والفقد

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي..

يرى الناقد طالب كريم أن مجموعة ” مُوسيقى التَّماثيلِ الْحيَّة ” للشاعر فهمي الصالح تقف كشهادة شعرية على زمن عراقي مُثقل بالذاكرة والفقدِ وهي كتابٌ لمن تَعبوا من الكلامِ الكبيرِ، وبحثوا عنْ كلامٍ صغيرٍ يحملُ عالما.

وقال كريم في قراءة خص بها ” المراقب العراقي”:عن سلسلة ” شعر ” التي تصدرها دار الشؤون الثقافية العامة /  وزارة الثقافة والسياحة والآثار صدر حديثاً للشاعر فهمي الصالح مجموعته الشعرية الجديدة الموسومة “” مُوسيقى التَّماثيلِ الْحيَّة “” تَقف كشهادة شعرية على زمن عراقي مُثقل بالذاكرة والفقدِ . تضم المَجموعة سبعاً وخَمسين قَصيدةَ نَثرٍ، أغلبها نُصوص طويلة تتنفس ببطءٍ، ويتخللها نبضٌ آخرُ مُختلفٌ : قصائد هايكو قصيرة تتساقط كالشررِ داخل الجسد الكبير للنصِّ”.

وأضاف : إن” العنوان وحدهُ إشكالٌ جَماليٌ. فكيف تكونُ للتماثيل مُوسيقى؟ وكيف تكونُ حيةً وهي جمادٌ ؟ يُجيب الصَّالح ُ بأن جَعلَ من الحجر صوتاً، ومن الصمتِ إيقاعاً، ومن الموتى ذاكرةً تمشي بيننا. مايُميزُ هذه المجموعةَ هو العملُ على مستويينِ سَرديَّيين مُتوازيينِ”.

وتابع :إن” المستوى الأوَّل : قصيدةُ النثرُ الطويلةُ ذاتُ النفس المُتصل، حيثُ يجرُ الشاعرُ القارئَ في مجاري وجعه كنهرٍ لا يتوقَّفُ.المستوى الثاني : انفلاتاتٌ هايكويةٌ قصيرةٌ جداً، عشرات منها تتناثرُ داخل القصائد الكُبرى كنوافذ تفتخُ فجأةً على سماءِ  أُخرى” .

وأوضح :”في قصيدة ” نبُوءاتُ العُزلةِ ” مثلاً،  نجد السردَ يتمددُ كظلٍّ  ليليِّ، ثم يَنقطعُ بلحظةٍ هايكُو تُشبهُ وقفة تنفسٍ : لقطةٌ، صُورةٌ ، ضَربةٌ. وكذلك في ” أجنحةٌ تعزفُ غُبارَ الخُطى “، و” عبثٌ اكتُبُ لوجهكَ ” ، و” هتافاتٌ رُوحيةٌ في الطريقِ “،  و” إنطفاءاتٌ ليليةٌ تُداهمُ الكفَّ “، و ” أعوادُ ثقابٍ لامعةٍ ” ، و” أوراقُ الغزالِ ” . كُلها نُصوصٌ طويلةٌ تتشظى إلى وحداتٍ صُغرى، فيصبحُ القارئُ كأنهُ يمشي في بيتٍ كبيرٍ جُدرانهُ من الشِّعرِ، وفي كُلِّ جدارٍ كُوةٌ صغيرةٌ تَرى منها العالم كُلهُ.هذا التركيب ليس تزييناً شكلياً. أنه فلسفةُ كتابةٍ”.

وبيَّنَ أن”الوجع العراقيّ في تجربة الصالحِ لايحُكى دُفعةً واحدةً، بل يتفتتُ إلى لحظاتٍ لاتُحتملُ إلا إذا قُطعتْ.لُغةُ فهمي الصالح لُغةُ حادٍّ وحنونٍ في آنٍ. لاتُبالغُ في البلاغةِ ولا تستسلم للبساطةِ، يختارُ الكلمة كمن يختارُ حجراً لبناءِ جدارٍ متين، الصور عندهُ جسديةٌ جداً : غبارُ الخُطى، انطفاءُ  الكفِّ، لمعانُ عود الثقابِ، ورقُ الغزالّ، كلُّها أشياءٌ صغيرةٌ تَحملُ ثِقلاً  كبيراً  ،وفي قصيدتهِ المُهدات ” فخامةُ سوادكَ أصلُ الالوانِ ” إلى صديقه الشاعر العراقي المُغترب نصيف الناصري، يصلُ الشاعرُ إلى ذُروةِ هذه المعادلة، السواد ليس عَدَماً، بل هو الأصل، هو الخلفية التي يظهر عليها كل لونٍ. كأنه يقولُ : في غياب الوطنِ وفي عتمةِ المنفى، تتَّضحُ قيمةُ الضَّوءِ”.

وواصل :”لاتوجدُ قصيدةٌ واحدةٌ في المجموعة خاليةً من العراق، حتى وإن لم يُذكر اسمهُ، العراق هنا ليس جغرافيا، بل حالةً إنسانيةً  هُو الذاكرةُ التي تتسربُ، والالمُ الذي يعادُ تشكيلُهُ كُلَّ يومٍ، والوُجُوهُ التي تتحولُ إلى تماثيلَ لأنها تعبتْ من الحركةِ”.

ولفت الى أن “الصالح يكتبُ عن الوضع الإنساني دون خطابٍ مُباشرٍ لاشعاراتٍ، ولاصُراخٍ، بدلاً من ذلك نجدُ ” هتافاتٍ رُوحيةٌ ” تخرجُ هامسةً من الطريقِ، ونبوءاتِ عزلةٍ ” تتحققُ كل صباحٍ، هذا هو الاكتواءُ الحقيُّ : أن تجعلَ من الصمتِ أغلى اضوائكَ. إدخال الهايكو داخل قصيدة النثر العربية مغامرةٌ.لكن الصالحَ لا يستعير الشكل اليابانيِّ كقشرةٍ، بل يستخدمهُ كأداةِ تكثيفٍ، الهايكو عنده هو اللحظة التي يتوقفُ فيها الزمنُ، حيثُ تتجلى الحقيقةُ دونَ تعليلٍ بينما النثرُ الطويلُ هو الزمنُ الذي يتمددُ ويتوجعُ”.

وأكمل :أن”هذا التزاوج يُعطي المجموعةَ إيقاعاً موسيقياً فعلاً، نفسٌ طويلٌ ، ثُمَّ سكتةٌ، ثُمَّ نفسٌ آخرُ، كموسيقي التَّماثيل الحَيَّةِ : ثابتةٌ في مكانها، لكنها تهتزُّ من الداخل. بسبعٍ وخمسِينَ قصيدةً، يبني فهمي الصالحُ بيتاً من الصبرِ، لايَعِدُ القارئَ لخلاص، ولايقدَّمُ حُلولاً  كُلُّ ما يفعلُهُ هو أن يضعَ أُذُنهُ على صدرِ الحَجَرِ ويَنقُلَ لنا دقاتهِ”.

وختم بالقول إن”” مُوسيقى التَّماثيلِ الْحيَّة ” كتابٌ لمن تَعبوا من الكلامِ الكبيرِ، وبحثوا عنْ كلامٍ صغيرٍ يحملُ عالماً. كتابٌ يقولُ : حتى في أقصى الانطفاءِ، هُناك عودُ ثقابٍ لامعٌ، وحتى في أقصى السُّكونِ هُناك مُوسيقى. ” مُوسيقى التَّماثيلِ الْحيَّة ” ليستْ مجردَ شعرٍ، هي وثيقةٌ وجدانيةٌ عن كيف يعيشُ الإنسانُ حينَ يتحولُ وطنهُ إلى ذاكرةٍ، وكيف يَكتُبُ حينَ تَصبحُ الذَّاكرةُ وطناً”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى