هل تنقذ زيادة صادرات النفط الاقتصاد العراقي أم تؤجل الانهيار؟

إصلاحات تحت ضغط الخزينة
المراقب العراقي / أحمد سعدون..
تواجه الحكومة العراقية ضغوطا مالية متزايدة في ظل تراجع الإيرادات النفطية وارتفاع حجم الالتزامات المالية، الأمر الذي دفعها إلى البحث عن إجراءات اقتصادية من شأنها تخفيف العبء عن الخزينة العامة والحد من تداعيات الأزمة التي بدأت تنعكس على مختلف القطاعات.
وفي هذا السياق، اتخذت رئاسة الوزراء برئاسة علي الزيدي حزمة من القرارات الاقتصادية، من بينها رفع الدعم عن أسعار المنتجات النفطية المجهزة للقطاعات كافة، باستثناء المنتجات الرئيسة المخصصة للمواطنين حصرا، ومنها البنزين وزيت الغاز والنفط الأبيض والغاز السائل، على أن يبدأ تطبيق القرار اعتبارا من الشهر المقبل.
وتأتي هذه الخطوة في محاولة لتقليص النفقات الحكومية، إذ أكدت الحكومة أن أي دعم يقدم إلى القطاعات المختلفة سينعكس بصورة مباشرة على حصة الخزينة العامة، فيما تقرر عرض الآلية المقترحة على ديوان الرقابة المالية الاتحادي لاعتماد السياسة المحاسبية المُعدَّلة وتلافي الملاحظات الرقابية مستقبلا.
وفي الملف النفطي، صوت مجلس الوزراء على آليات جديدة لتصدير النفط العراقي من خلال شركات عالمية ومحلية متخصصة وعبر منافذ تصديرية مختلفة، على أن تكون التعاقدات لمدة ثلاثة أشهر اعتبارا من الشهر القادم، في خطوة تهدف إلى ضمان استمرار تدفق الإيرادات النفطية وتعزيز مرونة عمليات التصدير.
كما أشارت الحكومة إلى أن العراق مقبل على زيادة في حصته النفطية ضمن منظمة أوبك، بما قد يوفر مساحة إضافية لزيادة الصادرات والإيرادات، إلا أن حجم الاستفادة الفعلية من هذه الزيادة سيبقى مرتبطا بأسعار النفط العالمية وحجم الطلب في الأسواق.
ويرى مختصون أن الإجراءات الحكومية قد تسهم بتخفيف حدة الأزمة المالية بصورة جزئية، لكنها لن تكون كافية لمعالجة جذور المشكلة، خصوصا مع ارتفاع مستويات الدَّين الداخلي والخارجي واتساع حجم الإنفاق العام، فضلا عن اعتماد الموازنة بصورة كبيرة على الإيرادات النفطية.
ويحذر المختصون من أن استمرار ارتفاع النفقات التشغيلية، وفي مقدمتها فاتورة الرواتب والأجور، يمثل تحديا كبيرا أمام المالية العامة، لاسيما مع تراجع الإيرادات النفطية، مؤكدين أن معالجة الأزمة تتطلب الانتقال من الإجراءات الآنية إلى إصلاحات اقتصادية وإدارية شاملة.
ويؤكد المختصون ضرورة إعادة هيكلة الجهاز الإداري للدولة وتقليل النفقات غير الضرورية، بالتزامن مع وضع سياسات واضحة لدعم القطاعات الإنتاجية، ولا سيما الصناعة والزراعة، عبر تشريعات وإجراءات عملية قادرة على زيادة الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الاستيراد.
ويُعد ملف مكافحة الفساد من أبرز الملفات المرتبطة بالإصلاح الاقتصادي، إذ يرى مراقبون أن أي خطة لإعادة تنظيم الإنفاق وتعزيز الإيرادات لن تحقق نتائج مستدامة ما لم تترافق مع إجراءات جدية للحد من الهدر والفساد المالي والإداري، اللذين يستنزفان موارد الدولة ويعرقلان تنفيذ المشاريع الإنتاجية.
وفي الشأن ذاته أكد الخبير الاقتصادي د.فالح الزبيدي في حديث لـ”المراقب العراقي ” أن “الإجراءات الحكومية الأخيرة تمثل محاولة لاحتواء الضغوط المتزايدة على الخزينة العامة، لكنها لا ترقى بمفردها إلى مستوى الإصلاح المطلوب لمعالجة الأزمة المالية من جذورها”، مبينا أن “رفع الدعم عن بعض القطاعات يمكن أن يخفف جزءا من النفقات، وزيادة كميات النفط المصدرة قد توفر إيرادات إضافية، إلا أن استمرار اعتماد الدولة على النفط يجعل المالية العامة عُرضة للتقلبات الخارجية”.
وأضاف إن “نجاح هذه الإجراءات يبقى مرتبطا بقدرة الحكومة على ضبط الإنفاق وتحويل الوفورات المالية إلى استثمارات إنتاجية بدلا من استخدامها في تغطية النفقات التشغيلية”.
وأشار الى أن “المشكلة الأساسية لا تكمُنُ فقط في نقص الإيرادات، وإنما في هيكل الاقتصاد العراقي الذي يعتمد بدرجة كبيرة على مورد نفطي واحد، مقابل تضخم النفقات العامة وضعف مساهمة القطاعات الإنتاجية.”
ولفت الى أن “الاقتصاد العراقي يتطلب إصلاحا إداريا وماليا واسعا يشمل مراجعة أبواب الإنفاق، وتقليص الهدر، وإعادة هيكلة المؤسسات الحكومية، فضلا عن تفعيل القطاع المصرفي ليكون شريكا حقيقيا في تمويل المشاريع الإنتاجية والاستثمارية، كما أن دعم الصناعة والزراعة والسياحة والنقل يمكن أن يُسهم تدريجيا بخلق مصادر إيرادات جديدة وتقليل فاتورة الاستيراد”.
وفي هذا الإطار يبدو أن الإصلاحات الاقتصادية باتت ضرورة ملحة تتجاوز معالجة العجز الآني، إذ يحتاج العراق إلى تنويع مصادر الدخل، بما يضمن بناء خزينة أكثر قدرة على مواجهة الأزمات وتقليل ارتباط الاستقرار المالي بتقلبات السوق النفطية.



