اخر الأخبارثقافية

الدكتور منتظر الساري.. المسرحي المعجون بطين الهور الجنوبي

المراقب العراقي / ماجد حميد..

لقبتْه قلوبُ محبيه بـ “المجنون”، لا لشيء إلا لأن جنونه من طراز خاص؛ جنونٌ يفيض حباً، ويصنع البسمة أينما حل، ويزرع الأمل في القلوب المثقلة. إنه الصديق الحقيقي الذي تتكئ عليه الأرواح في لحظات انكسارها، والرجل الذي غدت مواقفه الإنسانية إرثاً حياً لمدينتنا السّمراء النابضة بالقيم، مدينة الصدر (الثورة)، تلك المدرسة التي رضعنا من ثديها أبجديات الحب، الشجاعة، والانتماء.

لم يأتِ الدكتور منتظر خضير الساري إلى المشهد الفني من فراغ، ولم يكن عابر سبيل في دروب الإبداع. إنه رجلٌ معجون بطين الهور الجنوبي الأصيل، الذي يحمل في جيناته امتداداً حقيقياً لخشبة المسرح، وللفن المسرحي الملتزم.

ورغم أنه سليل قامة فنية شاهقة، إلا أنه أبى إلا أن يبني مجده بجهده وعرقه؛ فلم يتعكّز على تأريخ والده الفنان الراحل (خضير محسن الساري)، ذلك الرجل الذي كان عَموداً من أعمدة الجمال في مدينة الصدر، وأول من غرس بذور المسرح فيها بتأسيسه “فرقة الجماهير للتمثيل المسرحي” عام 1973 في مركز شباب الثورة، فضلاً عن كونه مؤسساً ورئيساً لـ (اتحاد المسرحيين العراقيين)، وعضواً بارزاً في الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق والوطن العربي، وصاحب العروض الاحتجاجية والتعبيرية الرصينة التي تركت بصمة لا تُمحى في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي.

سار الدكتور منتظر على خطى الجمال، لكن برؤيته الخاصة وبصمته المستقلة، فأصبح رقماً صعباً وفناناً مهماً في تأريخ المسرح العراقي المعاصر. وقد تجلى عطاؤه في تقديم أعمال مسرحية غنية وكثيرة، نالت منها سينوغرافيا مسرح الطفل نصيب الأسد.

وشارك ممثلا في مسرحية الظلمة إخراج د عادل كريم ٢٠١٣ وشارك ممثلا مسرحية حكاية بدر ووفيقة إخراج قاسم السومري ٢٠١٤ وفي مسرحية  أيام الأسبوع الثمانية إخراج إقبال نعيم ٢٠١٤ و في مسرحية مملكة الألعاب إخراج محمد حماد ٢٠٢٥ وفي مسرحية المزرعة السعيدة إخراج محمد كاظم محمد ٢٠١٩ وشارك كدراماتورج في مسرحيةالهروب في الاتجاهين إخراج محمد حماد ٢٠٢٦ مدركاً أن بناء الإنسان يبدأ من الطفولة، وأن الخشبة هي المنبر الأرقى لتهذيب النفوس وصقل الوعي.

إن الشهادة الأكاديمية التي يحملها الدكتور منتظر لم تكن مجرد ورقة تُعلّق على الجدران، بل هي دكتوراه في الأخلاق، وفي المعنى الحقيقي للشهامة والتضحية. هو ذاك العطاء الذي لا ينضُبُ، والقلب الذي يتسع لجميع الأصدقاء. من يتعرف إلى هذا ‘المجنون بالحب والفن’ لا يمكنه الفراق؛ لأنه ببساطة البلسم الذي تبحث عنه وتلوذ به عندما تغرق في همومك، ووسط زحام هذه الحياة ومشاغلها القاسية سيظل الدكتور منتظر خضير الساري رمزاً للفنان الحقيقي والإنسان النبيل، وامتداداً لجيل العمالقة الذي يربط أصالة الماضي بآمال المستقبل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى