اخر الأخباراوراق المراقب

علم “المنقطع المعطوف” القرآني.. آية التطهير أنموذجًا

إبراهيم علي السفسيف..

اصطلح على المباحث المتعلّقة بالقرآن الكريم من حيث نزوله، وتدوينه، وجمعه، وقراءاته، وناسخه ومنسوخه، ونحو ذلك، بـ”علوم القرآن”. وكانوا قد قصدوا من كلمة “علم/علوم” هنا: المعرفة المنظّمة حول موضوع معيّن وفق منهجيّة متّسقة مع موضوعها.

 فمثلًا: كلّ ما يرتبط بكيفيّة أداء الكلمات القرآنيّة اتفاقًا واختلافًا، وما يتبع ذلك من سرد مذاهب رواتها وتحمّلها وروايتها، ولاحقًا تقعيد مصطلحاتها ومفاهيمها وضوابطها، وعرض قضاياها ومنافعها وأرخنتها، كلّ ذلك أُدرج تحت علم يُعرف باسم “علم القراءات القرآنيّة”. وهكذا دواليك مع بقيّة أصناف علوم القرآن.

منذ القرن السادس الهجري، ظهرت مؤلفات توسّعت في تناول علوم القرآن كعلم مستقل في كتاب جامع، وتفنّنت في تعداد أصنافها. كان أبرزها كتاب (البرهان في علوم القرآن) لبدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي (ت: 794هـ)، الذي رصد (48) علمًا، و(الإتقان في علوم القرآن) لعبد الرحمن بن كمال الدين السيوطي (ت: 911هـ)، حيث رصد (80) علمًا، و(الزيادة والإحسان في علوم القرآن) لابن عقيلة المكّي محمد بن أحمد بن سعيد (ت: 1150هـ)، حيث رصد (154) علمًا.

وعلى كل حال، فلا تزال أصناف علوم القرآن محصورة في سياج الأصناف التي ذكرها هؤلاء الأعلام وغيرهم. وهذا ما حدا بالباحثين إلى الدعوة للتجديد فيها، عبر تحرير مصطلحاتها، وإنضاج علومها، وإعادة قراءتها بما يواكب منجزات العلوم ذات الصلة بالبحث القرآني، كعلم الفقه والأصول والمناهج الفلسفية والألسنية الحديثة.

الإمامية وعلوم القرآن

بحسب ما يتوافر من مصادر، فإن علماء الشيعة الإمامية لم ينخرطوا في التأليف حول “علوم القرآن” كمصطلح دال على علم مستقل من علوم المعرفة الإسلامية، فقد خلت مؤلفاتهم على طول التأريخ حتى منتصف القرن الماضي من كتاب جامع ينظّر لهذا المصطلح ويقعّد لعلومه. وهذا لا يعني بالضرورة أنهم لم يؤلفوا في علوم القرآن أو يقعّدوها، فكتبهم شاهدة على سبقهم إلى كثير من هذه العلوم.

على أن وتيرة التأليف تحت هذا المصطلح ازدادت مع نهايات القرن الماضي ومطالع هذا القرن، وهي لا تزال مستمرة ومتطورة، حيث تُوّجت بالعديد من المؤلفات القيّمة، والتي من أهمها موسوعة (التمهيد في علوم القرآن) للشيخ محمد مهدي معرفة في عشرة أجزاء، وموسوعة *نصوص في علوم القرآن* للسيد علي الموسوي الدارابي، في عشرة أجزاء كذلك، وغيرها من المؤلفات المختصرة.

ولقد يلحظ المتابع لهذه المؤلفات الإمامية ملاحظتين، هما:

الأولى: أنها ركزت على مجموعة من العلوم وأغفلت الكثير، فتناولت مثلًا علومًا أساسية، كعلم الناسخ والمنسوخ، والمحكم والمتشابه، والإعجاز القرآني، وما يرتبط بتأريخ القرآن وتدوينه وجمعه. أما علوم القراءة وكثير من علوم التفسير وعلوم لغة القرآن، فقد بقيت تُطلب من مظانّها؛ وذلك لأسباب ليس مجالها هنا.

الثانية: أنها لم تضع في أولويتها مقاربة المصطلحات والمفاهيم والآراء والقضايا التي اشتغلت عليها وانشغلت بها مؤلفات علوم القرآن عامة وفق بيانات المعصومين (عليهم السلام).

رسالة المحكم والمتشابه

من بين المصادر الإمامية التي حوت، بالتركيز، ما ورد عن أهل العصمة (عليهم السلام) من معارف القرآن وعلومه، (رسالة المحكم والمتشابه) والتي يرويها السيد المرتضى علم الهدى (ت: 436هـ)، بعدما أخذها كاملة عن تفسير النعماني، المحدّث الثقة أبو عبد الله محمد بن إبراهيم النعماني، المعروف بأبي زينب (ت: 360هـ)، بسنده إلى الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)، عن آبائه (عليهم السلام)، عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام). حيث كان شيعة أمير المؤمنين (عليه السلام)، إذا فرغت من تكاليفها، يسألونه عن ناسخ القرآن ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ورخصه وعزائمه، فيخبرهم.

لا تقف أهمية الرسالة، فيما يخصّنا هنا، عند حدود ذكر مسمّيات أصناف علوم القرآن، بل تتعداه إلى ضبط مراداتها، والتمثيل عليها من آيات القرآن الكريم. فوق هذا، فإنها أشارت وبيّنت ومثّلت لأصناف من علوم القرآن لم يذكرها أحد ممن كتب قبل ظهور مصطلح علوم القرآن وبعده، وبما يشمل كل المؤلفات المستقلة في علوم القرآن والجامعة أيضًا، بحسب اطلاعي القاصر.

في مطاوي هذه الرسالة، وقفتُ على علم من علوم القرآن لم يتناوله أحد بالذكر، وهو علم “المنقطع المعطوف”، مع الإشارة إلى أن الرسالة ذكرت علمًا آخر، هو علم “المنقطع غير المعطوف”، لكنها لم تفصّل فيه. وأعتقد أنه ذاته الذي ذكره السيوطي في (إتقانه) عند حديثه عن “النوع التاسع والعشرين: في بيان الموصول لفظًا المفصول معنى”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى