“العالم بعد غزة” رؤية هندية عن تهميش الذاكرة الفلسطينية

في كتابه “العالم بعد غزة” يُقدم الكاتب الهندي بانكاج ميشرا قراءة نقدية جادة للأحداث في قطاع غزة، متناولاً ما يعتبره انهياراً للمنظومة الأخلاقية الدولية وازدواجية صريحة في معايير الدول الغربية تجاه القضية الفلسطينية ، ويؤمن أنّ الرواية الغربية حول انتصارها على الشمولية النازية بعد الحرب العالمية الثانية وترويجها للديمقراطية والمساواة قد فقدت مصداقيتها وتأثيرها منذ زمن طويل.
ينطلق بانكاج ميشرا من أطروحة مركزية تُفكك أسباب استبعاد الفلسطينيين من دائرة الواجب الإنساني، رابطاً العنف الجاري بجذور تاريخية ممتدة تشمل الاستعمار والعنصرية وبُنى التفوق الأبيض، ويرى أنّ ما جرى ويجري في غزة يشكل حسماً بين مرحلتَين، لتصبح هذه الرقعة الجغرافية المحاصرة مرآة كاشفة لهشاشة النظام الأخلاقي الذي جرى التغني به منذ منتصف القرن العشرين.
يتتبع المؤلف تحوّلات الذاكرة الغربية تجاه الهولوكوست، مستعيناً بقراءات مفكرين ومؤرخين من بينهم حنا أرندت وإيميه سيزير وبواز إيفرون، لبحث الطريقة التي انتقلت بها المحرقة من حدث تاريخي إلى سردية سياسية مؤثرة. ويشير إلى أن هذه الذاكرة لم تتشكل مباشرة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945، إذ واجه الناجون اليهود آنذاك رفضاً غربياً لاستقبالهم، قبل أن تبدأ المحرقة في التحول، خصوصاً منذ محاكمة النازي أدولف أيخمان عام 1961 في إسرائيل وإعدامه، إلى عنصر مركزي في الوعي السياسي الإسرائيلي والغربي.
ويرى ميشرا أن استدعاء المحرقة جرى توظيفه تدريجياً لتقديم إسرائيل بوصفها الملاذ الضروري لليهود، ومن ثم منح المشروع الاستيطاني حصانة أخلاقية وسياسية تحدّ من انتقاده. وفي المقابل، يكشف المؤلف عن تهميش الذاكرة الفلسطينية ومعاناتها، وعن حضور نزعة عرقية في الخطاب السياسي الغربي تقسم الضحايا وفق هوياتهم وانتماءاتهم. وبذلك، يناقش كيف تحولت ذكرى جريمة تاريخية كبرى من إدانة الفاشية والاستعمار إلى أداة أيديولوجية تُستخدم لتبرير سياسات الإقصاء والعنف ومحو الآخر.



