اخر الأخبارثقافية

السردية العراقية بوصفها بديلاً لكتابة التاريخ: الحسين أنموذجاً

شوقي كريم حسن..


ليس التاريخ دائماً ما يُكتب في كتب المؤرخين، ولا تُحفظ الذاكرة الجمعية للأمم في الوثائق الرسمية وحدها. فهناك تاريخ آخر يتشكل بعيداً عن سجلات السلطة ودفاتر الوقائع، تاريخ تكتبه الحكايات والقصائد والأساطير والمرويات الشعبية والمراثي والأغاني والروايات. هذا التاريخ لا يهتم كثيراً بالتسلسل الزمني للأحداث بقدر اهتمامه بما تتركه الأحداث من أثر في الوجدان الإنساني. ومن هنا يمكن النظر إلى السرد بوصفه أحد أهم الوسائل التي أنتجت بها الشعوب ذاكرتها وحافظت بها على هويتها عبر القرون.في العراق تبدو هذه الظاهرة أكثر وضوحاً من أي مكان آخر، فالعراقيون أمة عاشت آلاف السنين وهي تصوغ وجودها من خلال الحكاية. فمن ملحمة كلكامش إلى المقامات إلى السير الشعبية إلى المجالس الحسينية والرواية الحديثة، ظل السرد واحداً من أهم أشكال التعبير عن الذات الجمعية. ولذلك لم يكن غريباً أن تتحول بعض الشخصيات التاريخية إلى شخصيات سردية كبرى تتجاوز حدود الزمن الذي عاشت فيه لتصبح جزءاً من الوعي الثقافي للأمة.من بين جميع الشخصيات التي عرفها التاريخ الإسلامي والعربي والعراقي، ربما لا نجد شخصية امتلكت هذا الحضور السردي المتجدد مثل شخصية الإمام الحسين بن علي. فالحسين لم يبقَ حدثاً تاريخياً وقع في سنة إحدى وستين للهجرة، ولم يبقَ مجرد شخصية دينية أو رمز عقائدي، بل تحول إلى مركز لإنتاج السرد والمعنى والرمز. لقد خرج من حدود الواقعة التاريخية ليصبح حاضراً في الشعر والخطابة والمسرح والحكاية الشعبية والرواية الحديثة والفنون البصرية والذاكرة اليومية للناس.
إن السؤال الذي يفرض نفسه  هو: لماذا بقي الحسين حياً في الذاكرة بينما غابت شخصيات وأحداث أخرى لا تقل أهمية من الناحية السياسية؟ إن الجواب لا يكمن في الحدث التاريخي وحده، بل في الطاقة السردية الكامنة في هذا الحدث. فواقعة كربلاء تمتلك جميع العناصر التي تجعلها قابلة للاستمرار عبر الزمن؛ فيها الصراع بين الحق والقوة، وفيها البطولة والفداء، وفيها العائلة والطفل والمرأة والعطش والفقدان والخذلان والوفاء. إنها قصة إنسانية كاملة قبل أن تكون حدثاً سياسياً أو دينياً، ولهذا استطاعت أن تخاطب الإنسان في كل زمان ومكان.إن المؤرخ حين يكتب كربلاء يهتم غالباً بتحديد الوقائع والأسماء والتواريخ ومسارات الأحداث، أما السرد فيذهب إلى منطقة أخرى أكثر عمقاً، فهو يبحث عن المعنى الإنساني الكامن خلف الوقائع. ولذلك فإن أغلب الناس لا يتذكرون تفاصيل المصادر التاريخية، لكنهم يتذكرون الصور السردية التي ترسخت في وجدانهم؛ يتذكرون العطش أكثر مما يتذكرون عدد المقاتلين، ويتذكرون الوداع أكثر مما يتذكرون أسماء القادة، ويتذكرون المأساة الإنسانية أكثر مما يتذكرون تفاصيل الصراع السياسي. وهنا تكمن قوة السرد بوصفه بديلاً عن كتابة التاريخ. والمقصود بالبديل  ليس الإلغاء أو الإقصاء، التاريخ يبقى ضرورة لا غنى عنها، ولكن السرد ينجز ما لا يستطيع التاريخ إنجازه. التاريخ يحفظ الوقائع، بينما يحفظ السرد المشاعر. التاريخ يروي ما حدث، أما السرد فيكشف لماذا بقي ما حدث مؤثراً بعد مرور القرون. ولهذا فإن كثيراً من الشعوب تعرف ماضيها من خلال الحكايات أكثر مما تعرفه من خلال الوثائق.لقد أسهمت الثقافة العراقية في بناء سردية حسينية ضخمة ومتجددة. فالشاعر الشعبي والكاتب والخطيب والروائي والمسرحي جميعهم شاركوا في إعادة إنتاج هذه الشخصية عبر الأجيال. وكل عصر أعاد اكتشاف الحسين بطريقته الخاصة. فمرة يظهر بوصفه رمزاً للثورة، ومرة بوصفه رمزاً للحرية، ومرة بوصفه نموذجاً أخلاقياً، ومرة بوصفه صوتاً للمظلومين. وهذا التنوع في القراءة هو أحد أسرار خلود الشخصية، لأن السردية الحية هي تلك القادرة على إنتاج معانٍ جديدة باستمرار.وفي الأدب العراقي الحديث أصبح الحسين حاضراً بوصفه رمزاً ثقافياً يتجاوز حدود المناسبة الدينية. فالكثير من الروايات والقصائد استحضرت كربلاء لا بوصفها حدثاً ماضياً، بل بوصفها استعارة كبرى لفهم الحاضر العراقي. وحين يتحدث الكاتب عن الظلم أو الاستبداد أو المنفى أو الخذلان أو التضحية، فإنه كثيراً ما يستدعي البنية الرمزية التي أنتجتها كربلاء، حتى وإن لم يذكر اسم الحسين بشكل مباشر.ومن هنا يمكن القول إن السردية الحسينية لم تحفظ التاريخ فقط، بل أعادت صياغته داخل الوجدان الشعبي. فهي لم تكتفِ بنقل الوقائع، وإنما منحتها حياة جديدة وجعلتها قادرة على الاستمرار والتأثير.
وربما لهذا السبب ما زالت كربلاء حاضرة بعد أكثر من ألف وثلاثمئة عام، بينما اندثرت أحداث سياسية وعسكرية كانت في زمانها أعظم أثراً وأوسع نفوذاً.إن ما يجعل الحسين أنموذجاً فريداً في دراسة العلاقة بين السرد والتاريخ هو أن شخصيته تقدم مثالاً واضحاً على قدرة السرد في صناعة الذاكرة الجمعية،فالأمم لا تعيش بالوقائع وحدها، وإنما تعيش بالمعاني التي تستخلصها من تلك الوقائع. وحين تتحول الشخصية التاريخية إلى رمز سردي، فإنها تخرج من حدود الماضي لتصبح جزءاً من الحاضر والمستقبل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى