اخر الأخباراوراق المراقب

استشهاد الرسول الأكرم “ص” وتضييع بوصلة القيادة

محمد علي جواد تقي..

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}.

كانت القيادة وما تزال تشغل بال الشعوب والأمم عبر التأريخ كونها تمثل صمام الأمان من الفوضى، كما تعد المرآة التي ترى فيها شخصيتها وتطلعاتها، لذا لا تكون قيادة في العالم دون أن تخرج من رحم الأسرة والمجتمع والأمة، بغض النظر عن نمط سياستها في الحكم، وما تسببه أحياناً من ظلم وسفك للدماء يسفر عن ندم الناس على هذا القائد او ذاك، تبقى القيادة والتسيّد حلم الصغير والكبير في أي مجتمع وأمة حتى يظهر الأقوى ليغلب الآخرين.

ومن أبرز ما عالجه الإسلام في موضوع القيادة، تحديد معيار الصلاح حتى لا تنتج الندم عند الناس، ولا الازمات السياسية والاقتصادية، بشرط توفر عنصر واحد، من جملة عناصر لنجاح القيادة الصالحة، وهو؛ الطاعة الواعية، فتكون المعادلة متكاملة من الطرفين؛ قيادة صالحة، وطاعة واعية، وأي خلل ينتج لنا ديكتاتور يرضاه الناس لأنفسهم بملء إرادتهم، أو تكون ثمة قيادة صالحة لأناس يغمرهم الجهل والتخلف الثقافي والفكري.

وفي ذكرى استشهاد الرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله وسلم، نستذكر واحدة من أهم مفاصل السيرة النبوية، ألا وهي؛ تجربة القيادة الصالحة التي واكبت الرسالة منذ أيامها الأولى في مكة، وتحديها للشرك والظلم، وحتى بعد فتح مكة وتشكيل الدولة الاسلامية بشكل معترف بها تقريباً في الجزيرة العربية، عندما برزت الشريحة المثقفة، او القيادة الوسطى تحت عنوان “الصحابة” لتكون القيادة كمفهوم وتطبيق عملي على المحك في فكر وسلوك هؤلاء الصحابة، وأيضاً عند عامة المسلمين.

معايير خاصة لكن غير مستحيلة

من أجل هذا حرص النبي الأكرم على تحديد معايير خاصة لمن يقود الأمة، منذ الايام الأولى لانطلاق دعوته للتوحيد بين عشيرته الأقربين، وهو؛ الإيمان والإخلاص للرسالة الذي تجسد في شخصية أمير المؤمنين في حداثة سنّه آنذاك، عندما استجاب لرسول الله في دعوته التوحيدية في “حادثة الدار” عندما خاطب أعمامه وأبناء عمومته في مأدبة وقصة معروفة بأني “قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم عليه، فأيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم”، فأحجم القوم، إلا أمير المؤمنين قال: “أنا، وإني لأحدثهم سنّاً وأرمصهم عينا، وأعظمهم بطناً وأحمشهم ساقاً يا رسول الله”. عندها أخذ رسول الله رقبته –يروي الإمام بنفسه- وقال للجمع: “هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا“.

والمعيار الآخر –من جملة معايير-؛ الصبر عند المقدرة، وعند المكاره والشدائد، فأي انسان لو كان في مثل موقف أمير المؤمنين، عليه السلام، في الساعات الأولى من رحيل الرسول الأكرم عن دار الدنيا، لما ضيّع لحظة واحدة عن مقارعة المناوئين والمتسلقين لقمة القيادة بدعوى “الشرعية الدينية”، وأن الجميع في رقبتهم بيعة الغدير، ثم عدم السماح لغير المؤهلين والكفوئين ومن فيهم شوائب الجاهلية، أن يتقمّصوا منصب قيادة الأمة والعنوان العظيم؛ “خلافة رسول الله“.

هذا وغيرها من مسوغات التصدّي كان من السهل أن يفعلها أمير المؤمنين، لكنه أحجم عنها لأن قضيته ليست في القيادة السياسية التي يبحث عنها الناس ضمن الرؤية الجاهلية آنذاك، إنما القيادة الشاملة لحياة الانسان في حاضره ومستقبله، فوجد قيادته هذه ليست في محلها بوجود طاعة غير واعية يتم إنتاجها بقوة السيف والمال، لذا يعبر أمير المؤمنين بنفسه، وبأروع ما يكون عن هذا الاختبار التأريخي الصعب في خطبته الشقشقية الشهيرة؛ “وطفقت أرتئي بين أن أصول بيدٍ جَذّاء، أو طخيةٍ عمياء، فرأيت أن أصبر على هاتان أحجى، فصبرت وفي العين قذى، وفي الحلق شجا”، ويشير، عليه السلام، على الواقع الاجتماعي الفاسد آنذاك، في قلّة الناصر اذا رام الصولة، وفي ظلام الجهل السائد في المجتمع الاسلامي.

علماً أن الصبر في قيادة أمير المؤمنين، لم يقتصر على فترة انسحابه عن المشهد السياسي، وإنما لازمه خلال توليه هذه القيادة فيما تعرض اليه على يد المارقين والقاسطين والناكثين، ولم ينتهِ الأمر باستشهاده في محراب صلاته، إنما استمر مع حياة الإمامين الحسنين، والى آخر إمام معصوم من أئمة الهدى، الجميع في حالة صبر وتجلّد من اجل قيادة رشيدة تأخذ بيد الأمة الى الصلاح والإصلاح، وتكون قيادة ملؤها الحكمة والدراية وتوعية الأمة على أحكام دينها والانظمة التي وضعها الله –تعالى- لحياة الانسان.

وعندما نردد دائماً مقولة أن أمير المؤمنين والأئمة الهداة من بعده، أنهم صبروا على الأذى النفسي والجسدي في سبيل الله، فكانوا السبب في حياة الدين والشريعة والأخلاق والفضيلة الى يومنا هذا، علينا الالتفات الى تجارب الآخرين ممن جربتهم الأمة طيلة القرون الماضية، وكيف أنهم داسوا على قيمة الصبر وصولاً الى قمة السلطة بعناوين دينية وإصلاحية، قبل أن يسمحوا لأحد بغربلة منهجهم وفكرهم وطريقة عملهم، وما إذا كانت متوافقة مع سيرة أهل بيت رسول الله أم لا؟!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى