اخر الأخبارثقافية

حميد قاسم يحول مذكرات جندي إلى تأمل وجودي يصوغ المأساة بلغة شاعرية

المراقب العراقي/ ماجد حميد..

في مدينة الصدر تلك المدينة السمراء، يأخذك الحنين عاتياً إلى البدايات الأولى، وإلى أيام المدرسة الخوالي؛ حين تعود مسرعاً بقميصٍ قد قُطعت أزراره جراء عبث الطفولة البريئة، وتمر بين الأزقة العتيقة تُفتش بلهفة عن رائحة أمك التي تنتظرك بكل جوارحها لتسألك عن المدرسة والدراسة، فتجيبها بأجمل وأعمق ما قاله الشاعر والأستاذ حميد قاسم: «لم أعد صغيراً يا أُمِّي بما يجعلني قادراً على العودة إليك من المدرسة بقميصٍ بلا أزرار».

بهذه اللقطة الوجدانية الكثيفة، يفتح حميد قاسم نافذةً على تجربة إبداعية واستثنائية تمتد أكثر من أربعة عقود؛ تجربة زاولت الشعر، والنقد، والرواية، والعمل الصحفي، لتغدو وثيقة ثنائية تُزاوج بين عفوية البدايات وفداحة المأساة الوجودية للانعطافات السياسية والاجتماعية في العراق.

تجلّى هذا البُعد الإنساني مبكراً في روايته الأولى «بيان أول للطفولة القديمة» (1983)، التي استعارت الرمزية العالية لرفض واقع الحروب وعبثيتها، وصولاً إلى «ظهر السمكة» (2021)، حيث تحوّلت مذكرات الجندي في أتون الحروب العراقية إلى تأمل وجودي يصوغ المأساة بلغة شاعرية مكثفة تعكس عين الصحفي الشاهد وعمق الأديب الرائي.

ولم تكن دواوينه الشعرية بدءًا من «قداس الطفولة الهرمة» و«رقيم إيمين»، وصولاً إلى «ليس ثمة هواء» سوى اشتغال متفرد على الاقتصاد اللغوي والمفارقة. فقد جسّد وجع بغداد والاغتراب بنبرة هادئة وتفاصيل التقاطية حظيت باهتمام منصات أدبية عالمية مثل ArabLit. هذا التنوع لم يقتصر على أدب الكبار، بل امتد ليتناول وجدان الطفل في مجموعته «نسمة الصباح»، وليضع في دراسته النقدية «سفر النار» لبنة أكاديمية وازنة تُشرح الظواهر الجمالية للشعر العراقي الحديث.

تكمُنُ فرادة حميد قاسم في قدرته الاستثنائية على تحويل المرارات الخفية إلى جماليات لغوية؛ فهو لا يكتب ليؤرخ المأساة بل ليسترد حق الإنسان العراقي في الحلم والبراءة وسط ركام الخرائب. إن احتفاء المشهد الثقافي بتجربته عبر طباعة أعماله الكاملة من قبل الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق

يُمثّل استحقاقاً أخيرًا لرمزٍ استطاع أن يحمي الذاكرة من الضياع، مُعيداً إيانا دائمًا إلى تلك الأزقة الأولى التي تنبعث منها رائحة الأمهات والمنتظرين.

منذ الجملة الأولى في نصّ حميد قاسم، يفتح الشاعر بابا لا يُغلق بسهولة: باب العودة، لكنها ليست العودة التي يعرفها الناس، العودة من المدرسة أو عن خطأ صغير، بل العودة إلى الأم، إلى الأصل، إلى أول مكان تعلّم فيه الإنسان معنى الطمأنينة، ومع ذلك، يبدأ الشاعر بتصدّع موجع: »لم أعُد صغيرا بما يجعلني قادرا على العودة إليك…إنه يعترف بأن الطفولة وحدها تمتلك الجواز الحقيقي للرجوع،أما الكهولة وما يأتي معها من أبناء وبنات وتجارب وندوب، فإنها تُثقل الجسد وتعيق العودة، لكنه لا يقف عند هذا الحد، إذ يضيف المفارقة الكبرى التي تمنح النص عمقه الوجودي:”لكني، مع هذا كله لست كبيرا بما يكفي للذهاب إلى الموت”بين عدم الطفولة وعدم الكِبر، يفتح الشاعر مسافة رمادية، هي المسافة التي تتحرك فيها القصيدة كلها: مسافة الضياع الوجودي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى