اراء

هل الحوار السعودي – الإيراني حول مضيق هرمز وباب المندب ممكن؟

بقلم: هدى رزق..

بعد دخول “أنصار الله” العاصمة صنعاء وإطاحتهم بالحكومة المدعومة من الرياض في عام 2015، خشي السعوديون من أن تُطوّق إيران الجزيرة العربية من الجنوب؛ فشنّوا حرباً كانت السعودية والإمارات الطرفين الرئيسين فيها، وتوحّدتا ضد ما يسمى الـ “عدو” مشترك، إلا أن أجنداتهما تباينت في المرحلة التالية. جلبت هذه الحرب الموت والدمار والمجاعة إلى اليمن، وخدمت مصالح الولايات المتحدة و”إسرائيل”.

أخذت العلاقة بين السعودية والإمارات بالتباعد منذ عام 2019، إذ تبنّت الإمارات نهجاً مُفاده: “بما أننا لا نستطيع ضمّ اليمن كوحدة واحدة، فلنفصل جنوب اليمن عن جنوبه الغربي”. رأت الرياض في هذا التقسيم تهديداً لأمنها، ومع ذلك، لم يُلغِ الخلاف السعودي- الإماراتي دافع العمل المشترك ضد قوات صنعاء. حتى أواخر عام 2025، سعى الثنائي الإماراتي والإسرائيلي إلى تكرار سيناريو “أرض الصومال” في جنوب اليمن، بهدف بسط سيطرة استراتيجية تمتد من خليج عدن إلى البحر الأحمر.

إلا أن خبرة قوات صنعاء القتالية، وصمودها، وقدرتها على تعلم أساليب الحرب الهجينة وغير المتكافئة بسرعة، أحبطت هذه الخطط. وكانت الولايات المتحدة قد شكلت تحالفاً وشنّت هجوماً لمعاقبة اليمن على استهدافه “إسرائيل” ودعمه غزة ضد الإبادة الجماعية، فقصف الثنائي الأميركي- البريطاني اليمن حتى أيار 2025، ولم يحققا سوى الدمار والموت. في هذا الوقت، حوّلت “إسرائيل” ميناء الحُديدة إلى جحيم، وشنّت هجمات على حكومة صنعاء أسفرت عن مقتل رئيس الوزراء اليمني وتسعة وزراء. ومع ذلك، لم يُغلق اليمن جبهة تضامنه مع فلسطين، ولم يستسلم بطريقة مُذلّة، بل اتخذ قراراً بالوقوف في وجه حصاره.

السعودية تدعم الضربات على “أنصار الله

في تموز 2026، بدأت جولة الصراع الحالية بالتصاعد بعد خرق “أنصار الله” الحظر الجوي وضمان رحلات طيران مباشرة بين طهران وصنعاء (عبر طائرات إيرانية تابعة لشركة “ماهان إير”). رداً على ذلك، قامت القوات اليمنية المموّلة والمدعومة من السعودية بقصف مدرج مطار صنعاء لمنع الطائرة الإيرانية من الهبوط. اعتبر “أنصار الله” هذا القصف بمنزلة إعلان حرب وإعادة فرض للحصار الاقتصادي، وأعلنت الجماعة فرض حصار على السفن السعودية في البحر الأحمر، واستأنفت ضرباتها الصاروخية ضد المنشآت النفطية في المملكة، معلنةً انتهاء هدنة عام 2022. تواصل ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بالرئيس الأميركي دونالد ترامب مرتين، مطالباً بشن غارة جوية على القوات المسلحة اليمنية. تريثت الولايات المتحدة وطالبت أن يخوض التحالف بقيادة السعودية الحرب. يريد ترامب أن يكون دور الحلفاء محورياً في سيناريو الحربٍ ما يقلل الإنفاق العسكري الأميركي، أو يملأ جيوب عمالقة صناعة الأسلحة؛ إذ يرفع ترامب تكلفة الشراكة والدعم. ويتولى حالياً نحو 200 خبير عسكري أميركي توجيه العمليات السعودية، إذ يقدمون الدعم الاستخباري وتحديد الأهداف المزمع استهدافها في اليمن. أتى تسارع الأحداث بشكل غير مسبوق بعد عقد اجتماع في ألمانيا بين قيادات الجيوش العربية (البحرين، السعودية، الإمارات، الكويت، قطر، مصر، والأردن) في الأسبوع الأول من سبتمبر 2026 برعاية أميركية. كان الهدف الأساس منه بحث سبل مساعدة السعودية وتزويدها بمعلومات استخبارية وأنظمة دفاع جوي إسرائيلية لحمايتها من تهديدات “أنصار الله”.

أسباب خوض القوات المسلحة اليمنية هذا التصعيد

هل التصعيد للضغط على السعودية لفرض “اتفاق محاصصة” يمنحهم سلطة أوسع وأموالاً مستدامة تلزم السعودية وحلفاءها بدفع رواتب موظفي القطاع العام في المناطق الخاضعة للقوات المسلحة من عائدات النفط والغاز اليمني (الموجود في مأرب وشبوة)، والمطالبة بإنهاء “الحصار” عبر الفتح الكلي واللامشروط للأجواء اليمنية والموانئ البحرية والسيطرة على المياه الإقليمية من دون رقابة؟ أم أن الأسباب جيوسياسية أيضاً، إذ أدرك “أنصار الله” وإيران أن نقل الحرب إلى البحر الأحمر يمثل نقطة ضعف قاتلة للسعودية؟ ونجح الأمر بالفعل في خفض صادرات النفط السعودي عبر ينبع من 3.8 ملايين برميل يومياً إلى 1.5 مليون برميل، ما أدى إلى رفع أسعار النفط عالمياً. يربط اليمنيون كذلك تصعيدهم البحري والبرّي سياسياً بملف التضامن الإقليمي مع غزة، ويعلنون صراحة أن أي تقارب عسكري أو دبلوماسي بين السعودية و”إسرائيل”/أميركا سيقابله رد عسكري مباشر لحماية ما يصفونه بالأمن القومي لليمن. بالتالي، أصبح اليمن جبهة متقدمة ومباشرة لتخفيف الضغط اللوجستي والعسكري عن طهران، من خلال إرباك الحلفاء الإقليميين لواشنطن.

لماذا يتعثر الحوار بين إيران والسعودية حول المضيق وباب المندب؟

لا شك في أن الحوار يصطدم بفجوات استراتيجية عميقة وتعارض جذري في المصالح والأهداف الأمنيّة والسياسية بين الطرفين. ترى دول الخليج أن أمن مضيق هرمز ومضيق باب المندب هو قضية أمن ملاحي واقتصادي دولي خاضع للقانون الدولي، ولا يجب إدخالها في التجاذبات السياسية. بالنسبة إلى المملكة، يمثل أمن البحر الأحمر وباب المندب شرياناً رئيساً لرؤيتها الاقتصادية وتصدير النفط، وتصر على أن أمن باب المندب يتطلب استعادة الدولة اليمنية الشرعية لسيطرتها على الأرض والمياه، وتعتبر أنصار الله غير شرعيين، بينما تنظر طهران إلى هذين المضيقين كـ”كتلة استراتيجية واحدة” وجبهة موحدة تسمح لها بفرض شروطها وإدارة الصراع في ظل العدوان الأميركي- الإسرائيلي عليها، وتستعمل المضيق وباب المندب كأوراق ضغط وابتزاز سياسي ضد خصومها، وكضغط على الاقتصاد العالمي لتخفيف الضغوط المفروضة عليها.

تشترط إيران إنشاء منظومة أمنية جماعية في الخليج، وتدعو إلى خروج القوات الأجنبية -الأميركية بالتحديد- من المنطقة، معتبرة أن الوجود الأميركي هو سبب عدم الاستقرار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى