اراء

عن الأحادية الأمريكية.. حين يعجز التفوق عن إنتاج الخضوع

بقلم: وسام إسماعيل..

في تأريخنا المعاصر لم تنجح أيٌ من القوى الكبرى في تكريس أحاديتها كنموذج شبيه بذلك الذي تمكنت الولايات المتحدة من تكريسه بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.

فرغم أن المملكة المتحدة قد نجحت في فرض تفوقها على العالم بين عامي 1815 و1914 مستفيدة من قوتها البحرية وامتداد مستعمراتها، إضافة إلى نجاحها في تكريس لندن كمركز مالي وتجاري رئيس في العالم، فإن هذا الواقع لم يكن كافياً لفرض إرادتها بشكل منفرد، إذ إن دولاً أخرى كروسيا وفرنسا ولاحقاً ألمانيا واليابان كانت حاضرة لتخلق نوعاً معيناً من التوازن. وعليه حتى نستطيع الإجابة عن سؤالنا المحوري: هل فقدت الأحادية الأميركية مضمونها، يُفترض أولاً العمل على تعريف هذه الأحادية والبحث في أدواتها ومن ثم التقدير فيما إذا كانت هذه الأحادية ما زالت فاعلة أم لا.

من خلال تعريف الأحادية بمعناها النظري، يمكن القول إنها بنية نظام دولي تتركز فيه القدرات الاستراتيجية الأساسية في يد دولة واحدة بالتوازي مع عدم وجود قوة قادرة على موازنة القوة المهيمنة بصورة شاملة.. هنا، تجدر الإشارة إلى أن هذا التعريف لا يفترض أن تلك الدولة الوحيدة ستحتكر كل القدرات أو أن بقية الدول يجب أن تبقى في حكم الضعيفة المنزوعة الإرادة، وإنما يجب القول إن الفكرة الأساسية ستتمحور حول الفارق في القدرات الذي يجب أن يكون كافياً لجعل تلك الدولة بمنزلة قطب مركزي للنظام الدولي، لا تملك أي من القوى الأخرى ما يمكّنها من موازنة القوة الأحادية أو فرض إرادتها عليها بصورة شاملة ومستدامة.

في هذا الإطار، يمكن الإشارة إلى عدد من العناصر الضرورية لتحقق هذه الأحادية والتي يمكن اختصارها بالقوة المادية والقدرة على تشكيل النظام من خلال التأثير الفاعل في القواعد والمؤسسات والتحالفات الدولية، إضافة إلى غياب المنافس الحقيقي. وعليه، يمكن القول إن الأحادية لا تنحصر حتماً في الهيمنة المطلقة فقط، وإنما يمكن تعريفها من خلال قدرة القوة الأحادية على فرض هيبتها وتحويل تفوقها إلى قدرة ملموسة في مجال تشكيل سلوك النظام الدولي.

في هذا الإطار، يجب الإشارة بالتوازي مع هذا الفشل إلى واقع الأزمة المالية العالمية التي عصفت بالعالم عام 2008، حيث كشفت هذه الأزمة عن هشاشة بعض مرتكزات النموذج الأحادي الأميركي. فقد أدت هذه الأزمة إلى ظهور خلل كبير يتجاوز الخسائر المالية المباشرة ليطال مسألة المصداقية والقدرة على قيادة دفة الاقتصاد العالمي. وبالتالي تراجعت القوة المعيارية لهذا النموذج وفتحت المجال لتساؤل مشروع يتمحور حول ما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على إقناع الآخرين بصلاحية نموذجها.

من ناحية أخرى، تقدم العقوبات الأحادية التي باتت تلجأ الولايات المتحدة إليها بشكل متكرر دليلاً آخر على تآكل مضمون أحاديتها. فمن خلال اعتبار تلك العقوبات كإحدى أهم مظاهر القوة البنيوية للولايات المتحدة الأميركية، حيث إنها تشكل إحدى أهم وأخطر أدوات السياسة الاقتصادية، فإن ذلك يفترض أن اللجوء إلى هذه الوسيلة سيبقى استثنائياً ويضمن في النهاية قدرة مطلقة على إنتاج الطاعة والخضوع بدليل قدرة الجمهورية الإسلامية على ابتكار حلول مستدامة مكّنتها من تفادي السقوط في فخ الخضوع للتوجهات الأميركية.

فظهور الصين كقوة اقتصادية وتكنولوجية وتجارية، معطوفاً على التحول الذي شهدته روسيا على مستوى قوتها العسكرية والجيوسياسية، إضافة إلى توسع البريكس وجرأة شنغهاي في طرحها لبديل تعددي، من دون أن ننسى سلوك بعض القوى الإقليمية كالجمهورية الإسلامية الإيرانية، التي أكدت من خلال مواجهتها للعدوان الأميركي والإسرائيلي على محدودية القوة الأميركية وتأكيد فشل مشروعها، فقد أسهمت بتأكيد عدم قدرة الولايات المتحدة على تحويل إرادتها إلى ثوابت عالمية ملزمة. فبدلاً من أن تكون الولايات المتحدة قادرة بدرجة عالية على تحديد النتائج أو القواعد الحاكمة للسلوك الدولي، باتت ملزمة بالانصياع لمنطق التفاوض والمساومات.

وعليه رغم أنه من غير الواقعي القول إن الولايات المتحدة قد تحولت إلى قوة عادية، حيث إنها ما زالت تملك تأثيراً قوياً، يمكن القول إن الواقع الحالي يفرض البحث، كما ذكرنا سابقاً، في مدى قدرتها على تحديد اتجاه النظام الدولي بشكل منفرد.

فإذا كان كما افترضنا القول إنها لم تعد تملك وحدها التفوق المادي بسبب وجود الصين، إضافة إلى تمكن قوى أخرى صاعدة، من ردم الفجوة على مستوى التنافس والتفاوض، فإن ذلك سيبرّر الحاجة إلى زيادة مستوى الإكراه الذي قد تمارسه للحفاظ على موقعها.

في المقابل، سيظهر مستوى مقاومة هذه القوى المنافسة لهذا الإكراه على أنه دليل واقعي واضح على أن الأحادية لم تعد تتمتع بالفاعلية نفسها التي كانت تتمتع بها سابقاً، بما يعني أن التعريف الذي افترضناه للأحادية سابقاً لم تعد تتوفر فيه الشروط اللازمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى