دعوات لمراجعة العقود الاستثمارية السابقة ومحاسبة الجهات المقصرة

بعد تعثر آلاف المشاريع وعدم إنجازها
المراقب العراقي/ أحمد سعدون..
بعد موجة الاعتقالات التي طالت مسؤولين كبارا في الوزارات العراقية بتهم فساد، تصاعدت الدعوات الشعبية لإجراء مراجعة شاملة لجميع العقود الاستثمارية والمشاريع التي أبرمتها الحكومات السابقة، في ظل استمرار تعثر العديد منها وعدم دخولها حيز التنفيذ رغم مرور سنوات طويلة على توقيعها، الأمر الذي أثار تساؤلات واسعة بشأن مصير الأموال التي خُصصت لها، ومدى التزام الجهات المنفذة ببنود تلك العقود.
وأكدت أوساط نيابية أن المرحلة الحالية تتطلب فتح جميع الملفات المتعلقة بالعقود الاستثمارية التي أثيرت حولها شبهات فساد أو ملاحظات رقابية، والتحقق من سلامة الإجراءات التي رافقت إحالتها، لاسيما تلك التي مُنحت دون منافسة حقيقية أو وفق معايير لا تنسجم مع مبادئ الشفافية والعدالة وتكافؤ الفرص.
وأكدت تلك الأوساط أن عددا من المشاريع التي أعلن عنها خلال السنوات الماضية في قطاعات الإسكان والكهرباء والصحة والبنى التحتية وغيرها، بقيت حبراً على ورق، رغم الترويج لها بوصفها مشاريع استراتيجية ستُسهم بتحسين الخدمات ودعم الاقتصاد الوطني، إلا أن الواقع كشف عن استمرار تعثرها أو توقفها بالكامل، الأمر الذي يستوجب تحديد المسؤوليات ومحاسبة الجهات المقصرة.
من جانبهم أكد مختصون بالشأن الاقتصادي أن الإصلاح الحقيقي لملف الاستثمار يبدأ بإبعاد التدخلات السياسية والمحاصصة الحزبية عن المشاريع التنموية، واعتماد معايير مهنية واضحة في اختيار الشركات المنفذة، بما يضمن تنفيذ المشاريع وفق المواصفات الفنية المطلوبة وفي المدد الزمنية المحددة.
وأضافوا أن استمرار منح العقود لشركات غير رصينة أو غير متخصصة ينعكس بشكل مباشر على مستوى الخدمات المُقدَّمة للمواطنين، ويؤدي إلى تكرار ظاهرة المشاريع المتوقفة التي استنزفت الموازنات العامة دون تحقيق أهدافها، الأمر الذي يتطلب إعادة النظر بجميع العقود السابقة وإخضاعها للتقييم الفني والمالي والقانوني.
وتشير الآراء المطروحة إلى أن بعض العقود الاستثمارية أُحيلت إلى شركات غير مؤهلة أو جهات لا تمتلك الخبرة الكافية لتنفيذ المشاريع، فيما تتحدث اتهامات عن منح فرص استثمارية لشخصيات وجهات ذات ارتباطات سياسية بعيداً عن المنافسة العادلة، وهو ما انعكس سلباً على نسب الإنجاز وأدى إلى هدر مبالغ مالية كبيرة دون تحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع.
وحول هذا الموضوع دعا الخبير الاقتصادي دريد العنزي في حديث لـ”المراقب العراقي ” ، إلى “إجراء مراجعة شاملة لجميع العقود والمشاريع الحكومية المتلكئة، مؤكداً أن حجم المشاريع الوهمية والمتوقفة أصبح كبيراً ويمتد إلى قائمة طويلة يصعب حصرها بالكامل في الوقت الحالي، إلا أن ذلك لا يمنع من البدء بتدقيق أبرز الملفات التي تحوم حولها شبهات التقصير أو سوء التنفيذ”.
وقال العنزي إن “الجهات الحكومية قادرة على انتقاء المشاريع الأكثر تعثراً والشركات التي أخفقت في تنفيذ التزاماتها، مستندة إلى التقارير الفنية والرقابية، فضلاً عن اعترافات عدد من منتسبي تلك الشركات بوجود مشكلات حالت دون إنجاز المشاريع وفق الجداول الزمنية المحددة”.
وأوضح أن “استمرار التعامل مع الشركات المتلكئة يمثل هدراً للمال العام، داعياً إلى إدراجها ضمن قوائم تمنعها من الحصول على أية عقود حكومية أو فرص استثمارية مستقبلاً، إلى حين تسوية التزاماتها القانونية والمالية وإثبات قدرتها على تنفيذ المشاريع”.
وأشار إلى أن “مراجعة العقود يجب ألّا تقتصر على الشركات المنفذة فقط، وإنما تمتد إلى آليات إحالة المشاريع، ولا سيما ما يتعلق بدور اللجان الاقتصادية التابعة للأحزاب، مبيناً أن الكثير من المشاريع أُحيلت إلى شركات غير مؤهلة وبأسعار تفوق قيمتها الحقيقية، الأمر الذي انعكس على نسب الإنجاز وأدى إلى تعثر عدد كبير منها.”
وشدد العنزي على “ضرورة تركيز الحكومة جهودها الرقابية على الوزارات التي تدير مشاريع استراتيجية ذات كلف مالية كبيرة، وفي مقدمتها وزارات النقل والنفط والاتصالات والصناعة، نظراً لما تمثله هذه القطاعات من أهمية في دعم الاقتصاد الوطني وتحسين الخدمات”.
ويبقى نجاح أي خطة لإعادة تنشيط الاستثمار حسب ما يرى مراقبون بحاجة الى تعزيز دور المؤسسات الرقابية، وتفعيل الرقابة البرلمانية والقضائية، وإرساء قواعد شفافة في منح الفرص الاستثمارية بعيداً عن الضغوط السياسية والمصالح الحزبية.



