المفاوضات اللبنانية مع الاحتلال .. تمخض الجبل فولد “مناطق تجريبية”

بقلم: محمد هلسة..
شكّل التوقيع على مذكرة التفاهم الأمريكية- الإيرانية مُنعطفاً سلبياً لسقف التوقعات الإسرائيلية من المسار التفاوضي اللبناني- الإسرائيلي، عبّر عنه تصريح السفير الإسرائيلي في واشنطن ورئيس وفد المفاوضات الإسرائيلية، يحيئيل لايتر، قُبيل افتتاح جولة المفاوضات الخامسة مع لبنان في واشنطن، إذ شبّه لايتر مسار المفاوضات بـ”قطار ينحرف عن مساره المقرر”، فيما اعتُبِرَ انتقاداً مباشراً للإدارة الأميركية وللرئيس ترامب.
فالفرضية الأساسية التي انطلقت منها “إسرائيل” في بداية المفاوضات مع لبنان كانت تقوم على أن الأطراف جميعها، قبل أربع جولات، “صعدت إلى القطار نفسه وكان يسير في اتجاه واضح: سلام وتطبيع كامل بين الدولتين، إخراج إيران من لبنان، تفكيك حزب الله ونزع سلاحه”. لكن هذا القطار، بحسب لايتر، بات، بعد التوقيع على مذكرة التفاهم الأميركية الايرانية، مهدداً بالخروج عن السكة، مُحذراً من أن حزب الله قد يكون حصل على جرعة تشجيع، وأنه لا شك، “يشعر بأنه أقوى وأكثر جرأة“.
وبدل أن ينحصر النقاش، وفق الإسرائيليين، في نزع سلاع الحزب وإخراج إيران من لبنان، تحوّل هدف المفاوضات الإسرائيلية- اللبنانية إلى ترجمة تفاهمات سويسرا الإيرانية- الأميركية، وتسييلها إجراءات ملموسة على الأرض تحول دون التشويش على المسار الأهم بالنسبة إلى واشنطن، وهو المضي قُدماً في نقاش مذكرة التفاهم وتحويلها إلى اتفاق نهائي، خصوصاً مع إصرار إيران على تنفيذ أول بنود المذكرة والمتعلق بإنهاء الحرب في كل الجبهات بما فيها لبنان، ووقف إطلاق النار والانسحاب الإسرائيلي من الأراضي التي تحتلها في لبنان، قبل المضي في بحث بقية القضايا التي نصت عليها المذكرة.
ولم يجد نتنياهو سوى كتف السلطة اللبنانية “المنحني” ليهبط عليه ويحقق عَبرَهُ ما شكّل مخرجاً من المأزق الذي فرضته عليه إيران في الساحة اللبنانية.
وتحت عباءة الحفاظ على “السيادة اللبنانية” وبذريعة “قطع الطريق على التدخل الإيراني في لبنان” سلمت السلطة اللبنانية رقبتها للوفد الإسرائيلي الذي حضر مُتسلحاً بخرائطه وشروطه وفرضها على “صاحبة السيادة” المجردة من السيادة ومن كل أوراق القوة؛ فكان لنتنياهو ما أراد وكان للسلطة اللبنانية الخيبة والانكسار بعد أن وقّعت لـ”إسرائيل”، في اتفاق رسمي، على شرعية احتلالها جزءاً غير يسير من أرض لبنان ومنحتها أوراق قوة إضافية لتستمر في ابتزازها بها، واعترفت بها بشكل رسمي، بعد أن ظلت لسنوات طوال سُلطة احتلال يُحرم ويجرّم التفاوض معها أو الاعتراف بها!
فحجر نتنياهو الذي ألقاه على رأس وفد السلطة اللبنانية المفاوض، صاد به في الواقع أكثر من عصفور، زفّها إلى “شعبه” مفاخراً بالإنجازات التي حققها أمام لبنان على طاولة المفاوضات. أول هذه المكاسب هو أن “إسرائيل” وهي تنسحب من “المنطقتين التجريبيتين” تعيد تموضع “جيشها” وانتشاره بما يوقف استنزافه بسبب ضربات المقاومة في حال تصاعد التوتر مستقبلاً، وما دام الإسرائيلي يوكل مهمة إخراج الحزب ومقاتليه من المناطق التجريبية ومنع عودتهم إليها، فإن هذا ربما يُفضي وفق التمنيات الإسرائيلية، وتحت الضغط، إلى تغيير الدور الوظيفي للجيش اللبناني وسلاحه من حماية لبنان واستقلاله، إلى الاقتتال الداخلي.
أما فيما يتعلق بانسحاب “جيش” الاحتلال من منطقتين تجريبيتين في لبنان، فلم ينس نتنياهو أن يُذكّر شعبه أن إحدى هاتين المنطقتين تقع جنوبي نهر الليطاني خارج المنطقة الصفراء التي يحتلها، والأخرى شمالي نهر الليطاني داخل المنطقة الصفراء لكن “جيشه لا يحتاجها” وفق تعبيره.
وهو ما يؤكد ما ذهبت إليه بعض الأوساط الإسرائيلية، قبل دخول وقف إطلاق النار الحالي حيز التنفيذ، حين أشارت إلى أن “إسرائيل” عمّقت دخولها إلى لبنان في بعض المناطق بهدف الانسحاب منها مستقبلاً ومساومة الدولة اللبنانية عليها، وتصوير انسحابها منها باعتباره “تنازلاً كبيراً” تَمُنّ به على ترامب، الذي يسكنه هوس قهري بدفع الاتفاق مع إيران إلى الأمام ومنع كل ما من شأنه أن يشوش عليه.
وثالثاً، وهو الأهم، فإن سقف المواقف الإسرائيلية المتشددة التي سبقت هذه الجولة التفاوضية وصاحَبتها، وحديث مسؤوليها المتكرر عن رفض الانسحاب من “المنطقة الصفراء” وتضخيم الحديث عن “مفاوضات صعبة” وتهويل “التنازل” الإسرائيلي والنفخ فيه، كلها أدوات تطويع مبرمجة يقصد منها بناء خطوط حمر وحوائط صد أمام الرئيس ترامب بحيث يكتفي بهذا الفتات من “إسرائيل” باعتباره أقصى ما يمكن أن تقدمه لاعتباراتها الأمنية، التي بالتأكيد “تتفهمها” واشنطن، فينزع نتنياهو بذلك فتيل الأزمة مع الرئيس ترامب وتعود مياه العلاقة الحميمة إلى مجاريها بعد أن كانت إيران أحدثت فيها شرخاً وهوةً وأوصلتها إلى حد الصدام وتراشق الاتهامات، قبل أن تتطوع السلطة اللبنانية بمد الجسور من دم اللبنانيين وتضحياتهم وكرامتهم وأرضهم لردمها!
زد على ذلك، أن النتيجة النهائية التي أفضى إليها هذا المسار التفاوضي تعني لـ”إسرائيل” الكثير، ليس فقط فيما يخص ساحة لبنان، بل بما ينسلخ على بقية الساحات في غزة وربما سوريا، حيث قد تصطدم المطالب الأمريكية مع المصالح الإسرائيلية.
ومن الآن فصاعداً، فإن الخطوط الحمر التي رسمتها “إسرائيل” في ساحة لبنان هي سقوفٌ لا يمكن التنازل عنها في غيرها من الساحات، وإن ضغطت الولايات المتحدة أو غضب رئيسها!
ومع ذلك، فالكلمة الفصل لم يقلها بعدُ صاحب قرار الحرب والسلم الفعلي في لبنان، الذي أعلن سلفاً رفضه للمفاوضات المباشرة مع “إسرائيل” وكل ما ينتج عنها، داعياً نتنياهو أنْ لا يستعجل في زف البشرى إلى مجتمعه!.



