اراء

حرب المصير في غرب آسيا.. هل نقترب من الجولة الحاسمة أم من مفاوضات بلا نهاية؟

بقلم: أحمد الدرزي..
منذ بدء مفاوضات إسلام آباد، لم تكن طاولة الحوار سوى وجه آخر للحرب. فالمؤشرات الواضحة تشير إلى أنّ إيران هي الطرف الأكثر استعداداً للعودة إلى المواجهة العسكرية المباشرة، لكنها تنتظر بفارغ الصبر أن يبادر الإسرائيلي أو الأميركي بارتكاب خطأ استراتيجي يمنحها غطاءً للانقضاض.
في محاولة يائسة لكسر هذا الجمود، حاولت واشنطن الالتفاف على طهران من خلال تكتيكات استفزازية: ضرب سفينة تجارية في مياه الخليج، أو استهداف برج اتصالات في جزيرة قشم. لكنّ الردّ الإيراني كان دائماً أكبر من الفعل، وأحياناً ثلاثة أضعاف.
لم تكن هذه الردود مجرّد انتقام، بل رسائل مبطّنة تقول للأميركيين بوضوح: “نحن ما زلنا نمسك بِناصية مسارات الصراع بأشكالها المتعدّدة. نحن جاهزون للتوسّع أكثر. وليس أمام واشنطن إلا خياران: إما العودة للقبول بما وافقت عليه عند بدء المفاوضات وفق النقاط العشر التي طرحتها طهران، وإما الذهاب نحو حرب حاسمة”.
معركة ستالينغراد (1942-1943): نموذج للحرب الوجودية وتحوّل الموازين
لفهم طبيعة الحرب التي تخوضها إيران اليوم، يمكننا العودة إلى واحدة من أعظم معارك التحوّل في التاريخ الحديث: معركة ستالينغراد (1942-1943). لم تكن هذه المعركة مجرّد اشتباك عسكري، بل كانت حرباً وجودية بالمعنى الكامل للكلمة، حيث قاتل الاتحاد السوفياتي للبقاء، بينما سعت ألمانيا النازية إلى توجيه الضربة القاضية التي تنهي المقاومة في الجبهة الشرقية.
في صيف 1942، شنّ هتلر هجوماً ضخماً بهدف الاستيلاء على ستالينغراد، المدينة التي تحمل اسم الزعيم السوفياتي. كانت الخطة الألمانية تقوم على فرضيّة أنّ السقوط النفسي والمعنوي لهذه المدينة سيهيّئ لانهيار الجبهة الشرقية بأكملها، تماماً كما راهنت واشنطن و”تل أبيب” على أنّ الضربة العسكرية المركّزة ستُسقط النظام الإيراني.
لكنّ ما حدث كان مختلفاً تماماً. بدلاً من أن تنهار المقاومة، تحوّلت ستالينغراد إلى معركة استنزاف غير مسبوقة. الجيش السوفياتي، مستفيداً من معرفته بالتضاريس ومن قدرته على تحمّل خسائر فادحة، تمسّك بالمدينة حيّاً تلو الآخر، وشقة تلو الأخرى. هذا النوع من القتال في المناطق الحضرية، الذي أطلق عليه الجنود الألمان اسم “حرب الفئران”، حيّد الميزة الألمانية في التفوّق الجوي والمدرّعات.
ثم جاءت اللحظة الفارقة. في تشرين الثاني 1942، شنّ الجيش الأحمر هجوماً مضاداً ضخماً (عملية أورانوس)، مستهدفاً الأجنحة الرومانية والإيطالية والمجرية الضعيفة التي كانت تحمي جوانب الجيش الألماني السادس. خلال أيام، تمّ تطويق أكثر من 200 ألف جندي ألماني داخل المدينة، وبدأت كوابيسهم: جوع، برد شتاء قارس، ونفاد الذخيرة.
استمر القتال أسابيع وأشهراً. القيادة الألمانية كانت أمام خيارين: محاولة فكّ الحصار (وهي محاولة فشلت في كانون الأول/ديسمبر 1942)، أو الاستسلام. هتلر، مثل ترامب اليوم، رفض فكرة الانسحاب وأمر جنوده بالقتال حتى آخر رمق. في 2 شباط/فبراير 1943، استسلمت فلول الجيش الألماني السادس. من بين 200 ألف جندي تمّ تطويقهم، لم يعد إلى ألمانيا سوى 6 آلاف.
لماذا ستالينغراد؟
هذه المعركة تقدّم دروساً عميقة تنطبق بشكل مدهش على واقع الحرب في غرب آسيا اليوم:
الدرس الأول: الحرب النفسية والكرامة الوطنية. اتخذت المعركة أهمية نفسية هائلة لأنها دارت في مدينة تحمل اسم الزعيم السوفياتي. بالنسبة لستالين، كان السقوط كارثة لا يمكن تصوّرها؛ وبالنسبة لهتلر، كان الاستيلاء على المدينة بمثابة إعلان نصر نهائي. اليوم، إيران تخوض حرباً دفاعاً عن هويتها الوطنية وكرامتها. أيّ تراجع أو استسلام سيكون بمثابة انهيار للنظام بأكمله.
الدرس الثاني: تحويل نقاط الضعف إلى قوة. استخدم السوفيات التضاريس الحضرية لصالحهم، محوّلين المباني والأنقاض إلى معاقل دفاعية حصينة. اليوم، إيران تستخدم جغرافيّتها الفريدة (الجبال، المضائق، المدن المترامية) لإطالة أمد الحرب ورفع كلفتها على العدو.
الدرس الثالث: التضحية والصمود أمام الصدمات الأولى. خسر الجيش السوفياتي مئات الآلاف من الجنود في ستالينغراد، لكنه صمد. اليوم، إيران مستعدّة لتحمّل خسائر فادحة، مدركة أنّ من يتحمّل أكثر ينتصر في النهاية.
الدرس الرابع: استغلال أخطاء العدو. اعتمد الجيش الألماني على وحدات حلفاء أقلّ كفاءة لحماية أجنحته، فكانت نقطة الضعف التي استغلّها السوفيات. اليوم، الفجوة بين القدرات الإسرائيلية والأميركية، والخلافات بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين، تشكّل نقاط ضعف يمكن استغلالها.
حرب الخمس جبهات: السيناريو الذي يرعب واشنطن
طهران لم تترك الأمور للصدفة، بل رسمت خريطة متكاملة لحرب إقليمية شاملة يمكنها تفعيلها في أيّ لحظة. الردّ الإيراني على أيّ تجاوز أميركي جديد سيكون من خمس جبهات متزامنة:
الجبهة الإيرانية الداخلية: صواريخ باليستية ومجنّحة وطائرات مسيّرة تنطلق من العمق الإيراني باتجاه القواعد الأميركية وحلفائها.
2. الجبهة العراقية: قوى المقاومة العراقية المسلحة والمدرّبة ستهاجم المصالح الأميركية في بغداد وأربيل والموصل.
3. الجبهة اليمنية (أنصار الله): المشاركة بضرب المواقع والمنشآت الإسرائيلية، مع إغلاق كامل لمضيق باب المندب.
4. الجبهة اللبنانية (حزب الله): صواريخ دقيقة تستهدف العمق الإسرائيلي، وليس فقط الجليل.
5. الجبهة الفلسطينية (غزة): مسيّرات وصواريخ من القطاع، بالتنسيق مع الفصائل في الضفة الغربية.
ولن يتوقّف الأمر عند هذا الحدّ. التهديد الإيراني الأكبر كان إغلاقاً كاملاً لمضيق هرمز، بالتزامن مع إغلاق باب المندب. هذا السيناريو الكارثي يعني حرمان العالم من أكثر من 20% من إمداداته الطاقوية، وضرب الاقتصاد العالمي في الصميم.
هذه الاستراتيجية متعدّدة الجبهات تشبه خطة الحصار السوفياتي في ستالينغراد: إضعاف العدو من جميع الجهات، وقطع خطوط إمداده، وإجباره على القتال في ظروف لا تناسبه.
اللحظة الفارقة: ربط الجبهات وتغيير قواعد الاشتباك
اللافت في الاستراتيجية الإيرانية هو الارتقاء بمستوى التهديدات إلى أبعاد جديدة وغير مسبوقة. فطهران أعلنت بوضوح أنّ أيّ استهداف إسرائيلي للضاحية الجنوبية في بيروت، أو لوسط العاصمة اللبنانية، سيقابل بردّ إيراني مباشر يستهدف شمال فلسطين المحتلة. وعندما حاولت “إسرائيل” اختبار هذه النظرية، كان الردّ الإيراني عنيفاً وواسعاً، وامتدّ ليشمل كامل أراضي فلسطين التاريخية، بالتنسيق المذهل مع جبهات المقاومة.
هذا التنسيق متعدّد الجبهات يذكّرنا بتنسيق الجيوش السوفياتية في ستالينغراد، حيث عملت جبهات متعدّدة (جبهة الدون، جبهة ستالينغراد، جبهة الجنوب الغربي) بتناغم تامّ، مما أربك القيادة الألمانية وجعلها عاجزة عن تحديد مصدر الخطر الأكبر.
الأهمّ من ذلك هو التطوّر النوعي الذي قادته طهران عندما ربطت استهداف “إسرائيل” مباشرة باستهداف الجنوب اللبناني. هذه المعادلة الجديدة تعني أنّ أيّ حرب على لبنان هي حرب على إيران، وأنّ الردّ سيكون شاملاً ومدمّراً. في غضون أيام، تغيّرت المعادلات الإقليمية، وأصبحت خيارات واشنطن و”تل أبيب” محدودة للغاية.
جراحة مجهرية لإعادة رسم الخرائط
ما تفعله إيران اليوم يشبه “جراحة مجهرية دقيقة”؛ تقوم بها ببراعة متناهية، هدفها إعادة رسم خرائط النفوذ والقوة في غرب آسيا، وذلك على حساب التراجع المستمر لخيارات “تل أبيب” وواشنطن. كلّ هفوة أو خطأ من الطرفين تُستغلّ فوراً لدفع حدود المقاومة إلى الأمام.
تماماً كما استغلّ السوفيات في ستالينغراد كلّ خطأ ألماني لتحقيق تقدّم استراتيجي، تستثمر طهران اليوم أيّ فرصة لتعزيز موقعها التفاوضي وتوسيع نطاق نفوذها. الفرق أنّ ستالينغراد كانت نهاية حلم هتلر بالتوسّع شرقاً، بينما حرب اليوم هي بداية تشكيل نظام إقليمي جديد يقلّص النفوذ الغربي.
حرب المصير أم مفاوضات بلا نهاية؟
أمام هذا المشهد المعقّد، يبرز السؤال المصيري: هل سنشهد الوصول إلى “حرب المصير” في غرب آسيا قريباً، حيث يحاول كلّ طرف توجيه ضربته القاضية لحسم الصراع بشكل نهائي، كما حدث في ستالينغراد؟ أم سنشهد جولات طويلة ومتعبة من المفاوضات، تتخلّلها حالات تصعيد عسكري محسوبة، من دون الوصول إلى حسم استراتيجي؟
الاحتمالات متساوية. إيران تبدو مستعدّة للحرب، معزّزة بجذور تاريخيّة معمّقة في الصمود والتحمّل. أميركا و”إسرائيل” تريدان تفادي حرب شاملة قد تخسرانها، لكنهما تجدان صعوبة في تقبّل الشروط الإيرانية. المفاوضات قد تطول وقد تقطعها ضربات متبادلة، لكنّ الورقة الرابحة تبقى بيد من يستطيع تحمّل الاستنزاف لفترة أطول.
وإذا كانت ستالينغراد قد حُسمت بعد أشهر من القتال العنيف بفضل صمود الجيش الأحمر واستغلال نقاط ضعف العدو، فإنّ حرب اليوم قد تحتاج إلى شهور أو سنوات، وقد لا تُحسم بمعركة واحدة، بل بسلسلة من الصدمات والتحوّلات غير المتوقّعة، وقد نفاجأ بانهيار غير متوقّع لعناصر القوة الأميركية.
الخلاصة: أسئلة مفتوحة في زمن الغموض
بين دروس ستالينغراد وواقع هرمز، تبقى الأسئلة الآتية مفتوحة على كلّ الاحتمالات:
هل ستنجح إيران في فرض رؤيتها للنظام الإقليمي الجديد عبر استراتيجية استنزاف طويلة الأمد، كما نجح السوفيات في فرض رؤيتهم للنظام العالمي الجديد بعد ستالينغراد؟
هل تستطيع “إسرائيل” تحمّل ثمن استمرار سياسات الرفض الصفري، في وقت ينهار فيه اقتصادها وتتسع عزلتها الدولية ويتآكل جيشها في حروب استنزاف، كما تآكل الجيش الألماني السادس في ستالينغراد؟
إلى أيّ مدى يمكن للولايات المتحدة أن تتحمّل خسارة قواعدها في الخليج وتدهور مكانتها كقوة عظمى، قبل أن تقرّر الانسحاب الاستراتيجي من المنطقة والاعتراف بالواقع الجديد، كما انسحبت ألمانيا من حلمها بالسيطرة على الشرق؟
كيف سيكون شكل غرب آسيا بعد الجولة المقبلة من التصعيد؟ هل سنشهد نظاماً متعدّد الأقطاب تحكمه قوى إقليمية جديدة، كما شهد العالم بعد ستالينغراد تراجع النازية وصعود قطبين جديدين؟
والسؤال الأهمّ: أين موقع شعوب المنطقة من كلّ هذه الصراعات؟ وهل ستظلّ رهينة لمشاريع الهيمنة الخارجية، أم ستجد طريقها نحو نهضة حقيقية تقوم على التعاون والتكامل بدل الصراع والدمار؟
الأيام المقبلة وحدها كفيلة بالإجابة، لكنّ المؤكّد أنّ غرب آسيا لم يعد كما كان، وأنه يتجه نحو مستقبل مختلف تماماً، قوامه التحالفات الجديدة وإعادة تعريف القوة والنفوذ. ومثلما كانت ستالينغراد فاصلة بين عصر وعصر، قد تكون هذه الحرب فاصلة بين نظام عالمي أحادي القطب ونظام متعدّد الأقطاب، تقوده قوى إقليمية جديدة تدرك أنّ مستقبلها لا يصنعه الغرب، بل تصنعه هي بنفسها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى