سوريا ولبنان.. وعودة ترامب لحديث “التلازم” و”التلزيم”

بقلم: عريب الرنتاوي..
فتحت “تغريدة” للرئيس الأميركي دونالد ترامب على منصته “تروث سوشيال”، الباب من جديد، لحديث عن “دور سوري” في لبنان، ليس من بوابة ضبط الحدود وتقطيع شرايين إمداد حزب الله فحسب، بل بالدعوة لدور سوري فاعل في توجيه ضربات وصفها بـ”الجراحية” للحزب، الذي تتولّد قناعة تامّة لدى واشنطن و”تل أبيب” بتعذّر استئصاله وتجريده من سلاحه، لا بالقوة، ولا بالمزيد منها.
وأعادت التغريدة ذاتها، التذكير بتغريدة سابقة، في العام الفائت، أودعها موفده إلى سوريا والعراق، وسفيره في تركيا، توم برّاك، حسابه الشخصي على منصة “إكس”، توقّع فيها عودة لبنان إلى “بلاد الشام”، إن ظلّت قيادته على ضعفها وتردّدها وشرذمتها، فيما القيادة الجديدة في سوريا، تتقدّم بخطوات سريعة، لاستعادة زمام المبادرة، ونقل سوريا من مستنقع العزلة إلى فضاءات بناء الدولة والانفتاح على العالم والانخراط في المجتمع الدولي.
وإذ كان طبيعياً أن يستقبل الحزب وبيئته ومناصروه، مثل هذه المواقف بكثير من التحسّب والقلق، لأنها تستهدفهم بالأساس، فقد كان لافتاً أنّ مناوئي الحزب وخصومه، لم يقابلوها بالرفض والاستنكار، وأغلبهم، إن لم نقل جميعهم، لطالما أشهروا سيوفهم في وجه “الاحتلال السوري” للبنان، وعبّروا عن مواقف “سيادية”، رافضة ومندّدة بفكرة “تلزيم” لبنان لسوريا، واستتباعاً لنظرية “تلازم المسارين” السوري واللبناني، التي نافحت عنها دمشق، ومؤيّدوها من اللبنانيين طويلاً.
شيء من الذاكرة
خمسون عاماً مرّت على التدخّل العسكري السوري الواسع في لبنان، زمن الحرب الأهلية، بطلب ودعوة من فريق “الآباء المؤسسين” لتيار سياسي / طائفي يُعطي نفسه اسماً “سيادياً”، لمواجهة النفوذ المتزايد للفريق الآخر: المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية.
واشنطن، والغرب، وأغلب العرب، لم يمانعوا ذاك التدخّل، وارتضوا فكرة “التلزيم”، حتى أنّ جامعة الدول العربية، ستقرّر لاحقاً، توفير مظلة سياسية (قرارات الجامعة) وميدانية “قوات الردع العربية”، والتي سرعان ما ستُخلي ساحاتها، لتبقى القوات السورية تعمل منفردة، تحت راية “الردع” وغطائه…
حريٌّ بالذكر، أنّ ذاك التدخّل لم يتحصّل فقط على ضوء أخضر أميركيّ، بل والتزم بخطوط حمر رسمتها “إسرائيل”، بمساعدة هنري كيسنجر، تَمنع تخطّيه جنوب الليطاني، والامتناع عن تحليق سلاح الجو السوري في أجواء لبنان، ونشر قطع بحرية قبالة شواطئه، والتمنُّع عن نشر بطاريات صواريخ سام للدفاعات الجوية على أرضه، مبقية لنفسها حرية الحركة جنوباً وبحراً وسماءً.
وستُجدّد الولايات المتحدة بعد تلك الواقعة بأربعة عشر عاماً، “عهود التلزيم” لنظام الأسد-الأب، عندما قايضت انخراطه في تحالف “حفر الباطن” ضدّ نظام صدام حسين المُحتل للكويت، برأس العماد ميشيل عون، الذي تحصّن في بعبدا، رئيساً لحكومة عسكرية، كلّفه أمين الجميل تشكيلها، قبيل رحيله عن القصر في مختتم ولايته (1988)، ليصبح للبنان الصغير، حكومتان بدلاً من حكومة واحدة… الثانية برئاسة سليم الحص.
مغزى القول، أنّ فكرة “تلزيم” لبنان لسوريا، ليست بالأمر العابر في التفكير السياسي والاستراتيجي الأميركي، فهي مرتبطة بدرجة تساوق دمشق وبيروت، إحداهما أو كلتيهما، مع السياسات الأميركية في حينه، وبالحسابات الأوسع لواشنطن، وغالباً لـ “تل أبيب”.
ومع انطلاق ما سمّي بـ”عملية السلام”، أو مسار مدريد -أوسلو- وادي عربة، خرجت من دمشق، نظرية تلازم المسارين، السوري واللبناني، بما يمنع لبنان من الذهاب في مسار تفاوض وسلام منفرد مع “إسرائيل”، بانتظار أن يظهر الخيط الأبيض من الخيط الأسود، في المفاوضات العلنية والسرية التي كانت تدور بين دمشق و”تل أبيب”… نظرية أثارت انقساماً بين اللبنانيين بالأمس، تماماً مثلما هو حاصل اليوم عند الحديث عن تلازم مساري لبنان وإيران، مع تبدّل طفيف فقط، في مواقع الأطراف ومواقفها.
واللافت أنّ واشنطن التي لم تمانع فكرة “التلزيم” من قبل، لا تسقط اليوم من حسابتها فكرة “التلازم”، ولعلّ في تصريحات السفير ميشيل عيسى، ما يستبطن احتمالاً كهذا، ولهذا جاء مثيراً لقلق كثرة من “السياديّين”، وتسريبات تقول بأنّ بعض دوائر الدولة اللبنانية، خاطبت واشنطن لكبح انفلات السفير وخروج تصريحاته عن النصّ المأمول.
التلزيم مجدّداً
تعيد تغريدتا ترامب وتابعه برّاك، حديث “التلزيم” مجدّداً، لا أحد يتحدّث عن “تلازم” مسارَي سوريا ولبنان، فالأولى سبقت الثانية، في ملف التفاوض المباشر، رفيع المستوى، وهو أمر تفضّله واشنطن على مختلف المسارات، وتدفع لوصوله إلى خواتيمه الإبراهيمية، برغم الصعوبات والتعقيدات، وعلى المسارين كليهما، الحديث الأميركي اليوم، يدور هامساً، وإن بخجل، عن تلازم مسارَي لبنان وإيران.
في البدء، اقتصر الحديث عن “ضبط الحدود”، وكسر “الهلال” من منتصفه، وتقطيع شرايين الدعم والإمداد من إيران للضاحية… وعندما وجدت واشنطن أن لا مانع لدى النظام الجديد في سوريا من القيام بذلك، وأنه يفعله بحماسة وبدوافع خاصة، ولا يريد من أحد أن يحرّضه عليه، ارتفع منسوب الرهانات الأميركية، وباتت واشنطن تفكّر باستدعاء “التلزيم” مجدداً، ولكن هذه المرة، في لعبة “تناوب” على استهداف حزب الله، وقطع رأسه بعد تقطيع شرايينه.
اليوم، وعشية الجولة الرابعة من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية المباشرة في واشنطن، وفي ظلّ إدراك الولايات المتحدة لصعوبة فصل المسارين اللبناني عن الإيراني، وبعد تعثّر العمليات الحربية الإسرائيلية ضدّ الحزب الذي دخل حرب استنزاف مريرة ضدّ قوات الاحتلال، تعود الفكرة مجدّداً، لتطرق رأس دونالد ترامب، آملاً بأن تكون أقل كلفة عليه وعلى حليفته، حتى وإن كانت أكلافها باهظة على لبنان وسوريا سواء بسواء.
الموقف من دمشق
حتى الآن، تبدو الأخبار من دمشق، مطمئنة بعض الشيء، الجولاني لا يترك زائراً لبنانياً إلا ويخبره بأنه لا يريد التدخّل في “زواريب” المشهد اللبناني، ويريد علاقة من دولة إلى دولة، وأنّ فكرة استدعاء تدخّل عسكري سوري ضدّ حزب الله، من شأنها أن تقلب المشهدين، السوري واللبناني، وربما الإقليمي، رأساً على عقب، وهذا آخر ما تريده سوريا، وهي تخطو أولى خطواتها على طريق التعافي وبناء الدولة وإعادة الإعمار.
وثمّة ما يشير إلى أنّ نظام الجولاني، لا يرغب حقيقة القيام بمهمة من هذا النوع، نيابة عن “إسرائيل”، وأنّ قائمة أولوياته تتجلّى في “الصراع على خطوط الأنابيب والسكك والطرق السريعة”، وأنّ خصمه ومنافسه في هذا المضمار، هو “إسرائيل” وليس فريقاً من اللبنانيين… السقوط في “الفالق الزلزالي المذهبي” الذي حذّر منه سلفه، الأسد -الابن، لا يستقيم مع مشاريع استعادة الدولة وبسط سيادتها وإعمارها، وتحويلها إلى موزّع “Hub” للطاقة والترانزيت، ولا مع طموحات استعادة الأمن والاستقرار والسلم الأهلي.
ثمّ، إنّ للنظام حلفاء مُقرِّرين، لا يريدون لتداعيات صراع مذهبي أن يمتد خارج الجغرافيا اللبنانية والسورية، بل ولا أن يندلع داخل هذه الجغرافيا، وهنا أحسب أنّ تركيا ستكون آخر من يرغب بتوريط حليفها “الإدلبي” في مستنقع من هذا النوع، كما أنّ السعودية في أدائها لبنانياً وعلى المسار الإيراني، لا تبدو ذاهبة باتجاه التصعيد و”المنازلة الكبرى”، وما ينطبق على الرياض، ينطبق بالقدر ذاته، وربما أكثر، على الدوحة والقاهرة.
وجاءت رسائل تهديد ووعيد صدرت من فصائل وقوى شيعية عراقية، لترسم صورة أشدّ تعقيداً للمشهد الإقليمي، من المقاربة التبسيطية الساذجة التي يطرحها ترامب وبرّاك، فـأيّ تدخّل سوري ضدّ حزب الله، سيُعتبر حرباً على طائفة بأكملها، داخل لبنان وسوريا وعلى امتداد الإقليم، وهيهات أن يتمكّن مشعلو الفتنة من إعادة المارد إلى قمقمه… واللافت أنّ هذه الرسائل، صدرت في الوقت الذي تعمل فيه بغداد مع دمشق، لرفع مستوى الصادرات العراقية النفطية عبر الموانئ السورية، وسط توقّعات متفائلة، بزيادة هذه الصادرات، وربما الانتقال إلى “الأنابيب” كبديل أكثر جدوى من الصهاريج.
ولدمشق قراءة ذات دلالة، منسوبة للزعيم الدرزي وليد جنبلاط، عن لقائه الأخير مع أحمد الشرع، قال فيها إنّ الأخير يخشى نصراً إسرائيلياً حاسماً على إيران، لا حباً بالأخيرة، ولكن خشية أن تتموضع الدبابة الإسرائيلية عند أبواب دمشق، صبيحة اليوم التالي، وأحسب أنّ الشرع الذي اختبر “الدبلوماسية” في محاولته تحييد التهديد الإسرائيلي، ما زال يكابد بعضاً من صنوف التعنّت والصلف الإسرائيليين في حوض اليرموك وقمم جبل الشيخ ومساقط المياه، والغطاء الأمني الممدود للسويداء، والتسريبات عن توسّعات مقبلة، تطال المحافظات الجنوبية الثلاث.
ستظلّ واشنطن تضغط باتجاه توريط دمشق في إدوار تتسم بالمغامرة، لصالح “إسرائيل” ونيابة عنها، وستلجأ لكلّ أشكال الابتزاز والترغيب والترهيب، لكنّ الأمل ما زال معقوداً، على قدرة دمشق وحلفائها على تحكيم العقل والمنطق والمصلحة العليا، وتفادي الانزلاق إلى قعر هاوية سحيق من الاحتراب المذهبي، الذي قد نعرف متى يبدأ وكيف، ولكننا لن نعرف من الآن، متى ينتهي، وكيف، وبأية أثمان.



