هندسة الترهيب.. المسيرات الاسرائيلية سلاح سيكولوجي يتجاوز البعد العسكري

بقلم: إيڤاريتا جعفر..
على الرغم من الإعلان الرسمي عن وقف إطلاق النار، إلا أن الواقع الميداني المشهود يثبت عكس ذلك تماماً؛ فالإنذارات، وعمليات الإخلاء القسري، والتدمير الممنهج مستمرة بوتيرة عالية في الجنوب والبقاع الغربي، بالتوازي مع استهدافات مباغتة تصيب أحياءً سكنية مكتظة في الضاحية الجنوبية لبيروت. وفي قلب هذا المشهد المأزوم، تأتي المسيّرات الإسرائيلية التي تنتهك سماء العاصمة لساعات طويلة يومياً كأداة ترهيب علنية. هذا الطنين المستدام لم يعد مجرد جهد استخباراتي بارد لجمع الأهداف وتحديث الإحداثيات، بل تحوّل برؤية تحليلية إلى سلاح سيكولوجي مصمم بدقة لاغتيال الطمأنينة، وفرض حرب نفسية صامتة على السكان في زمن “الهدنة” المفترضة.
في العمق، لا يمكن فصل هذا التحليق الدائم للمسيّرات عن سياق حرب استنزاف نفسية وجسدية ممنهجة؛ فالصوت ليس مجرد إزعاج عابر، بل هو أداة تعذيب مصممة لاختراق الحيّز الشخصي للمواطن اللبناني. يمارس هذا الطنين المتواصل ضغطاً فيزيائياً مباشراً يترجمه الدماغ فوراً إلى توتر دائم، وتشتت حاد في التركيز، وصداع مزمن. لقد أفقد هذا التلوث السمعي المفروض البيوت أمانها، وبات السكان يعيشون تحت وطأة شعور دائم بأنهم مكشوفون تماماً. يتحول هذا السقف الصوتي إلى محفز للأرق؛ إذ ارتبط في الوعي الجماعي بلحظة الانفجار المباغت، مما يجعل من فترات الهدوء المزعومة مجرد حالة ترقب خانقة لضربة قد تأتي في أي لحظة، بهدف إيقاع السكان تحت وطأة الإجهاد العصبي المستمر.
خلف هذا الضغط النفسي، يكمن هدف عسكري مباشر مدعوم تكنولوجياً؛ فهذه المسيّرات ليست مجرد كاميرات طائرة، بل هي منصات جوية مرتبطة مباشرة بأنظمة وبرمجيات الذكاء الاصطناعي الحديثة. تقوم هذه الطائرات بمسح شوارع بيروت وأحيائها على مدار الساعة، حيث يحلل الذكاء الاصطناعي تفاصيل الحركة اليومية، ويرصد السيارات، ومداخل الأبنية، والوجوه بشكل تلقائي وسريع. هذا التطور يجعل العدو قادراً على تحديث “بنك أهدافه” باستمرار، محولاً حياة الناس العادية إلى بيانات رقمية وإحداثيات عسكرية تُمهد للضربات المباغتة داخل الأحياء السكنية المكتظة. هنا يتحول الذكاء الاصطناعي إلى أداة باردة تحدد أهداف الموت بكبسة زر، دون أي احترام للاتفاقيات المبرمة. يكفي أن نعرف بأن البنتاغون وقع الشهر الماضي اتفاقيات مع 7 شركات تقنية لاستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي الخاصة بها في شبكاته الحاسوبية السرية، مما يتيح للجيش الاستفادة من قدرات الذكاء الاصطناعي لدعم عملياته الحربية… كل هذه الشركات (Google, Microsoft, Amazon Web Services, Nvidia, OpenAI, Reflection and SpaceX ) لها ارتباط محوري بالاستخبارات الإسرائيلية.
من الناحية السياسية والميدانية، يحاول العدو فرض واقع جديد عبر شرعنة انتهاكاته؛ إذ يسعى لتبرير وجود مسيّراته في الأجواء لساعات طويلة كإجراء “مشروع” بذريعة مراقبة تطبيق الاتفاق. لكن في التحليل القانوني والسيادي، يمثل هذا السلوك انتهاكاً صارخاً لسيادة الدولة اللبنانية، وتفريغاً تاماً لاتفاق وقف إطلاق النار من مضمونه الحقيقي. وبدلاً من أن تكون الهدنة مساحة للأمان والتقاط الأنفاس، تحولت إلى حرب صامتة مستغلة غياب الرادع، لتجعل من الترهيب الجوي اليومي أمراً واقعاً.
تتجلى المفارقة الأكبر في شوارع بيروت وضاحيتها عند مراقبة تفاصيل الحياة اليومية؛ فبالرغم من هذا الطنين والاستهدافات المباغتة، يصر السكان على البقاء في منازلهم لسبب أعمق وأكثر مرارة: وهو انعدام البدائل. ففي ظل الأوضاع الاقتصادية والمعيشية القاسية التي يمر بها لبنان، تفتقر غالبية العائلات إلى القدرة المادية على النزوح أو استئجار بيوت بديلة، في وقت غابت فيه مراكز الإيواء المهيأة. هذا الواقع يجبر السكان على التعايش مع الخطر؛ فالاستمرار في فتح المحال وممارسة الحركة اليومية وعيونهم شاخصة نحو السماء ليس مجرد رغبة ترفية في الحياة، بل هو صمود فرضه العجز وضيق الخيارات.
تكتمل فصول هذه المعاناة الإنسانية عندما تصطدم رغبة البعض في الابتعاد عن مناطق الخطر بجدار أزمة داخلية قاسية جداً؛ وهي الارتفاع الجنوني والظالم في أسعار إيجارات البيوت في المناطق التي تُعد أكثر أماناً. ففي غياب الرقابة والمحاسبة، تحولت حاجة العائلات وخوفها إلى فرصة للاستغلال، حيث تُطلب مبالغ خيالية (وبالدولار) تفوق قدرة العائلات الرازحة تحت خط الانهيار الاقتصادي. هذا الغلاء الفاحش أغلق أبواب النجاة تماماً أمام السكان، وجعل فكرة الانتقال حلمًا مستحيلاً للكثيرين، ليجد المواطن نفسه محاصراً بين نارين: نار الاستغلال المعيشي وجشع الأسعار، ونار البقاء مجبراً في بيته تحت خطر الموت.
لا تتوقف معاناة البحث عن الأمان عند حدود العبء المادي، بل تتجاوزها إلى جدار آخر أكثر قسوة وإيلاماً؛ وهو الشروط التمييزية والإقصائية التي يفرضها العديد من المؤجرين وأصحاب العقارات في بعض المناطق. فالكثير من العائلات النازحة تُجابه بالرفض التام لمجرد انتمائها لطائفة معينة، تحت حجج وذرائع مختلفة. هذا الفرز الطائفي والشروط التعجيزية لا يحرمان الناس من حقهم البديهي في الأمان فحسب، بل يتركان جرحاً إنسانياً واجتماعياً عميقاً، ويحصران العائلات في زاوية ضيقة جداً؛ حيث يجد المواطن نفسه مرفوضاً في وطنه، مما يدفعه مرغماً وبكثير من الغصة إلى البقاء في منزله تحت خطر المسيّرات، مفضلاً مواجهة التهديد الجوي على التعرض للإهانة والرفض على أساس الهوية.
وفي وسط هذه الدائرة المغلقة، يبرز الغياب التام للدولة ومؤسساتها كعامل أساسي يضاعف وجع الناس ويقوّض صمودهم البديهي؛ إذ يجد المواطن نفسه أمام عجز رسمي مزدوج يتجلى في عدم القدرة على حماية الأجواء من الانتهاكات المستمرة، ويوازيه تقصير داخلي حاد وفشل في كبح جنون الإيجارات وضبط الأسواق. هذا الغياب الرقابي ترك الشارع نهباً للفوضى، وجعل العائلات النازحة تواجه آلة الحرب وجشع الاستغلال دون أي شبكة أمان رسمية تحمي كرامتهم أو تضع حداً للظلم المعيشي المفروض عليهم.
يمتد أثر هذا العجز الرسمي والتقصير المؤسساتي مباشرة ليصيب القطاع التعليمي في مقتل، مهدداً مستقبل جيل كامل من الطلاب في المدارس والجامعات. يعيش التلاميذ اليوم، خاصة من يتحضرون للامتحانات الرسمية، حالة من التشتت والضغط النفسي الهائل؛ إذ كيف لطالب أن يركز في دروسه وصوت المسيّرات لا يفارق سمعه، وخطر القصف يلاحق يومياته؟ ومع اضطرار المؤسسات التعليمية للتحول نحو التعلم عن بُعد كبديل اضطراري، تصطدم هذه المحاولات مباشرة بواقع البنية التحتية المتهالكة التي تركتها الدولة دون إنقاذ؛ من انقطاع مستمر للكهرباء وضعف شبكات الإنترنت، ناهيك عن تشتت الطلاب النازحين الذين فقدوا الاستقرار، مما يحوّل التعليم إلى معركة يومية شاقة لإنقاذ العام الدراسي في ظل أجواء تفتقر لأدنى مقومات الأمان والاستقرار الذهني.
في النهاية، يجد المواطن اللبناني نفسه محاصراً في أدق تفاصيل حياته؛ من سماء مستباحة بمسيّرات الموت، وأرض تضيق بأزمة إيجارات وفرز طائفي، وعجز رسمي تام، وصولاً إلى تهديد مستقبل الطلاب وتعليمهم. ورغم كل هذه الضغوط المتشابكة، يبقى خيار البقاء في المنازل وتحمل الضجيج هو المواجهة الحقيقية والوحيدة المتاحة.
وفي ظل هذا الحصار المطبق من الجو والأرض، يبرز السؤال الأقسى: أيهما أشد مرارة على اللبناني اليوم؛ طنين مسيّرة غادرة تستبيح سماءه، أم شروط التمييز والجشع التي تستبيح كرامته وإنسانيته على الأرض؟



