اراء

زلزال السردية.. كيف فكّكَ هاتف شاب في غزة احتكار الصهيونية للإعلام الغربي؟

بقلم: منى صفوان..

حين رفع شاب صغير في غزة، هاتفه ليصور فيديو، ويبثه عبر انستغرام، وهو ينقل لنا قصفاً اسرائيلياً استهدف الشارع الذي يقطنه، لم يكن يتوقع ربما انه يقوم الآن بأهم فعل ثوري تقني، سيغير نظرة العالم للأبد، فيما يخص الرواية الصهيونية.

حصن السردية والرواية، والدعاية الصهيونية، كان دائماً هو منظومة الإعلام الغربي، الذي بث لعقود حقيقة مزيفة بوصفها هي الحقيقة الكاملة، هذه المنظومة بكل أدواتها الناعمة للتأثير وتزييف التأريخ، كانت تروج للبروباغندا الصهيونية، التي كانت هي المادة الخام، للإنتاج الاعلامي الغربي على مدى أكثر من نصف قرن.

فكل قنوات الأخبار العالمية، والمؤسسات الاعلامية الضخمة، والصحف العالمية الأوسع انتشاراً، في العواصم الغربية والعالم، تتعامل مع الرواية الإسرائيلية كحقيقة مطلقة، لا تقبل الجدل، فيظهر الاحتلال في ثوب “الضحية الديمقراطية المحاطة بالأعداء”، وتمّت شيطنة الحق الفلسطيني على مدى عقود.

العداء للسامية

وواحدة من أدوات الطمس استخدام سرديات مجحفة، مثل مذابح معاداة السامية، وتهمة العداء للسامية!! وكأنه سلاح مسلط على أية رواية أخرى، كمن يوجه البندقية لوجهك ويهددك، كصحفي أو أكاديمي أو حتى سياسي غربي، قد يجرؤ على انتقاد إسرائيل، فيتهم مباشرة بمعاداة السامية.

من خلال الخلط المتعمد والانتهازي بين اليهودية كدين، والصهيونية كإيديولوجية استعمارية. لذلك منعت عنوة ظهور روايات مختلفة عن أية سردية صهيونية.

وطمست رواية وانسانية وادمية الفلسطيني، وتم عزل روايته اعلامياً وتشويهها، وتشويه نضاله، وإخراجه عن سياقه التأريخي، كحركة تحرر، وحق أصيل في المقاومة.

لكن الأربع السنوات الأخيرة، غيرت كفة الميزان المختل، وقلبت الطاولة التي تخفي الحقيقة، وظهرت الرواية والسردية الفلسطينية، بشكلها الحقيقي، كمن انتزع حقه بيده.

لقد انهار الجدار بهاتف محمول

هذا الجدار السميك من التضليل والتزييف، لم ينهر من تلقاء نفسه، بل فككته أدوات جديدة فرضها واقع سياسي جديد، أحدث ثورة إعلامية ورقمية، ومعرفية.

والبداية كانت في غزة، في الهواتف المحمولة التي حملها الشباب والأطفال والأمهات، لتوثيق أكبر جريمة في العصر الحديث برغم محاولة منع الانترنت عنهم، وعزلهم إعلامياً، وتنفيذ إبادة اتصالات بهم، لكنهم قاموا ونشروا ووصلت حقيقتهم وصورهم لكل العالم.

لقد تحول المواطن الفلسطيني الأعزل، في غزة والضفة، عبر هاتفه المحمول ومنصات التواصل الاجتماعي (مثل إكس وتيك توك وإنستغرام)، إلى مراسل حربي يبث الحقيقة بالصوت والصورة الحية وبدون رتوش.

شاهدنا أحداث وجرائم وشهادات مباشرة، نسفت روايات القنوات الإعلامية الكبرى، وأجبرت المشاهد الغربي على رؤية الحقيقة العارية البشعة القبيحة، التي اخفيت عن انظاره لأكثر من نصف قرن!!

لقد اقتحم هاتف شاب صغير في غزة، منظومة كاملة تنفق عليها مليارات الدولارات، وتجاوز كلاب الحراسة ومقص الرقيب الغربي، وصدم الوعي والرأي العام العالمي، هذا الشاب المجهول ومعه الآلاف من رفاقه اقتحموا الحصن المتين للإعلام الغربيين والسردية الصهيونية.

تحول الرواية، وتفكيكها ساعد العالم على اتخاذ قرارات جريئة صادمة وقوية، مثل مواقف الدول في جنوب أمريكا اللاتينية، وايضاً في اوروبا كإسبانيا، وقلب أوروبا بمظاهرات وايضاً الجامعات الامريكية.. ولعل المثال الأبرز على ثمار هذا التحول في الوعي هو الموقف الإسباني، الأبرز أوروبياً.

إذ لم يعد التضامن حبيس المقالات الدراسية أو التظاهرات الشعبية، بل تُرجم إلى مواقف سياسية ودبلوماسية متقدمة.

لقد باتت مدريد اليوم عاصمة أوروبية محورية لدعم الحقوق الفلسطينية، حيث اعترفت رسمياً بالدولة الفلسطينية، واحتضنت المؤتمرات الدولية لحماية وتوثيق الثقافة والهوية الفلسطينية ضد الطمس، ودفعت باتجاه تشديد القوانين الأوروبية لحظر بضائع المستوطنات.

هذا التحول الرسمي ما كان لينضج لولا الضغط التراكمي للحراك الأكاديمي والصحفي الذي غيّر قناعات الشارع الإسباني.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى