اراء

من هرمز إلى طهران.. هل بدأت حرب كسر العظم بين واشنطن وإيران؟

بقلم: بكر السباتين..

منذ العدوان الأمريكي-الإسرائيلي الذي استهدف إيران وأدى إلى استشهاد الإمام السيد علي الخامنئي، دخلت المنطقة طورًا جديدًا من المواجهة، اتسم بتصعيد متبادل تجاوز حدود الاشتباك التقليدي. ولم يقتصر الأمر على الضربات العسكرية، بل امتد إلى حرب الروايات والدعاية، حيث باتت صناعة السرديات والتلاعب بالحقائق جزءًا من أدوات الصراع، في مقابل اتساع دور الإعلام الرقمي والمنصات المفتوحة في كشف كثير من الوقائع التي لم تعد الحكومات قادرة على احتكارها. وفي هذا السياق، تحولت أزمة مضيق هرمز من نزاع على حرية الملاحة إلى مواجهة شاملة تستهدف العمق العسكري والاقتصادي للطرفين، بما ينذر بانتقال الصراع من سياسة الردع المتبادل إلى مرحلة أقرب إلى كسر الإرادة قبل كسر القدرات.

استهداف العمق الإيراني

تشير تقارير غربية إلى أن العمليات الأمريكية لم تعد تقتصر على حماية الملاحة في مضيق هرمز، بل امتدت إلى قواعد للمسيّرات، ومراكز قيادة، ومنشآت تابعة للحرس الثوري، مع تداول تقديرات تتحدث عن احتمال توسيع بنك الأهداف ليشمل مرافق تصدير النفط، وفي مقدمتها جزيرة “خارج”، بهدف تقليص قدرة طهران على تمويل عملياتها العسكرية وإعادة صياغة ميزان التفاوض. ويرى خبراء في مؤسسة “راند”، أن هذه المقاربة تمثل امتدادًا لاستراتيجية “الضغط الأقصى”، التي تمزج بين العقوبات والضغط العسكري لإجبار إيران على تقديم تنازلات استراتيجية.

في المقابل، تؤكد تقديرات عسكرية، أن إيران بنت خلال العقدين الماضيين منظومة دفاعية معقدة في الخليج تضم الزوارق السريعة، والألغام البحرية، والطائرات المسيّرة، إلى جانب شبكة من الحلفاء الإقليميين، ما يجعل أية محاولة لفرض سيطرة عسكرية كاملة على مضيق هرمز خيارًا بالغ الكلفة.

رسائل الردع الإيرانية

ردّت طهران برفع سقف خطابها السياسي والعسكري، مؤكدة، أن استهداف منشآتها النفطية سيقابله تهديد مباشر لأمن صادرات الطاقة في المنطقة، مع إعلانها تنفيذ ضربات ضد قواعد أمريكية في الأردن والكويت وقطر، ونشر صور قالت إنها توثق نتائج تلك الهجمات، بينما امتنعت واشنطن عن تقديم رواية تفصيلية حول حجم الأضرار.

كما أعلنت إيران إسقاط طائرة أمريكية مسيّرة من طراز MQ-9 ريبر، وهو تطور، إن ثبتت صحته، يمثل خسارة استخباراتية وعملياتية مهمة للولايات المتحدة. وفي السياق نفسه، وأفادت بيانات لوزارة الدفاع الأمريكية بسقوط 13 عسكريًا أمريكيًا بين قتيل وجريح ومفقود، نتيجة الهجمات الأخيرة التي استهدفت قواعد أمريكية في المنطقة… وفق أسوشيتد برس.

انقسام داخل واشنطن

بالتوازي مع التصعيد، برزت مؤشرات على تباين داخل الإدارة الأمريكية بشأن إدارة المواجهة. فقد أكد نائب الرئيس جي دي فانس، أن واشنطن لا تعتزم الانخراط في حرب برية لإسقاط النظام الإيراني، مشددًا على أن المسار التفاوضي سيظل جزءًا من أية تسوية محتملة، ومقرًا بأن الطائرات المسيّرة منخفضة الكلفة ستظل قادرة على تهديد الملاحة حتى بعد الضربات العسكرية، بما يعكس إدراكًا متزايدًا لحدود القوة العسكرية في حسم الصراع.

وفي المقابل، يرى عدد من المراقبين أن تصريحات فانس تحمل بعدًا سياسيًا داخليًا، إذ تستهدف طمأنة القاعدة الانتخابية الرافضة لانخراط الولايات المتحدة في حروب برية جديدة، في محاولة لإعادة التأكيد على الخطاب الذي رفعه الرئيس دونالد ترامب خلال حملاته الانتخابية والقائم على تقليص التدخلات العسكرية الخارجية، وذلك مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.

نتنياهو وواشنطن.. خلاف يتجاوز البروتوكول

وفي خضم هذا المشهد، كشفت صحيفة يديعوت أحرونوت، عن أن تأجيل زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن لم يكن مرتبطًا فقط بتأجيل مراسم تأبين السيناتور ليندسي غراهام، بل جاء أيضًا في ظل اتساع الخلافات مع إدارة الرئيس دونالد ترامب. وبحسب الصحيفة، تخشى دوائر إسرائيلية، أن يتعرض نتنياهو لإحراج سياسي داخل البيت الأبيض بسبب التباين في المواقف حيال إيران وسوريا ولبنان، إضافة إلى الخلاف بشأن تزويد تركيا بمقاتلات F-35، كما أسهمت تصريحات نائب الرئيس جي دي فانس، التي اتهم فيها إسرائيل بمحاولة التأثير في توجهات السياسة الخارجية الأمريكية، في تعميق حالة الفتور بين الجانبين.

قراءة غربية للمشهد

يرى الكاتب البريطاني سايمون تيسدال في صحيفة الغارديان، إن الخطر الأكبر لا يكمن في القدرات الإيرانية وحدها، بل في غياب استراتيجية أمريكية واضحة لإدارة الأزمة. ويعتبر، أن إدارة ترامب تراهن على استعراض القوة أكثر من اعتماد رؤية سياسية متماسكة، محذرًا من أن الحرب قد تتحول إلى استنزاف طويل، فيما تبدو أهداف مثل القضاء على البرنامج النووي الإيراني أو تغيير النظام أكثر صعوبة من أي وقت مضى.

المنطقة أمام مرحلة جديدة

تكشف التطورات، أن المواجهة لم تعد تقتصر على الضربات العسكرية، بل امتدت إلى الطاقة، والبنية التحتية، والاقتصاد، والحرب الإلكترونية والإعلامية، بما ينذر بمرحلة أكثر خطورة إذا استمر التصعيد. وفي المقابل، تواصل قوى إقليمية، وفي مقدمتها باكستان، الدعوة إلى العودة للمسار الدبلوماسي، خشية انزلاق المنطقة إلى حرب واسعة تهدد أمن الطاقة والاستقرار الدولي.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى