مجانين وثيران وقردة

غسان عباس محسن
لم يكن يعتقد ان هناك اكثر من ثلاثة انواع من الرجال، فالرجل في نظره اما ان يكون مجنونا او ان يكون ثورا او ان يكون قردا، ذلك ما حاول ان يفهمها إياه لكنها ظنت بان ما كان ينطق به في تلك اللحظات لم يكن غير هلوسة اخرى كانت تخرج من شفتيه، كالتي اعتادت سماعها منه في مناسبات كثيرة، حيث كان يرددها من دون ان يفكر في معناها. لكن بدا عليه الإصرار هذه المرة في ان يجعلها تفهم ما كان يقصده بكلامه فقال: صدقيني، لست بأكثر من مجنون.
حاولت ان تنظر في عينيه لتفهمه بانها تدرك جيدا انه ليس مجنونا بالمعنى المعروف عند كل الناس ففهم ما كان يدور في خلدها وواصل: انا من أولئك المجانين ممن يشغلون رؤوسهم بالتفكير طوال الوقت، أمثالي قلائل وهم يعيشون على هامش المجتمع.
ـ ولماذا لا تكون كبقية الناس.
ـ لا أستطيع لأن..
توقف عن اندفاعه بعد ان احتار في جوابه او لعله خجل من قول شيء ما لكنه سرعان ما استجمع الكلمات المطلوبة ثم قال لها: لا يوجد الا ثلاثة أصناف من الرجال، المجانين ممن هم على شاكلتي، والثيران وهم ممن يعيشون بلا تفكير وبعقول خالية الا من التفاهات.
صمت لبرهة فلم تستطع ان تمنع نفسها عن سؤاله: والصنف الثالث؟
ـ انهم القردة.
لمع بريق ما وكأنه بوادر دموع حزن عميق لم يسمح له ان يخرج من عينيه ثم واصل كلامه: انهم من يجمعون شيئا من خصال المجنون وشيئا من خصال الثور.
لم تكن تريد الا معرفة ان كان قد وضع لها مكانا في خططه المستقبلية، لكنها كانت تتصوره وهو يرد عليها ويقول كما فعل ذات مرة بان أمثاله لا يفكرون في المستقبل، فسألته وبريق يلمع في عينيها: كيف ترى نهاية قصتنا هذه؟
صمت وهو يفكر لبعض الوقت فيما كان ينظر في عينيها بالوقت نفسه ثم قال لها: برغم جنوني فأنا أدرك بان التفريط بانسانة مثلك في هذا الزمن هو امر في منتهى الغباء.
وفي اللحظة التي تشابكت فيها نظرته الحائرة مع نظرتها الهائمة كانت ملامح بعض الخطط المستقبلية قد بدأت ترتسم في رأسه المزدحمة بالأفكار.



