ملف تعديل الرواتب وتثبيت العقود يعودان الى الواجهة

رغم التحذيرات من الأزمة المالية
المراقب العراقي/ أحمد سعدون..
مع انطلاق عمل الحكومة الجديدة برئاسة رئيس الوزراء علي الزيدي وبداية الفصل التشريعي لمجلس النواب، عادت ملفات تعديل سلّم الرواتب وتثبيت العقود والأجور اليومية إلى واجهة المشهد السياسي، وسط وعود حكومية وبرلمانية بإيجاد حلول طال انتظارها لشريحة واسعة من الموظفين والعاملين في مؤسسات الدولة، إلا أن هذه الوعود تأتي في وقت تواجه فيه البلاد تحديات مالية واقتصادية متزايدة، الأمر الذي أثار تساؤلات واسعة بشأن إمكانية تنفيذها على أرض الواقع.
وشهدت الأيام الماضية تداول وثيقة رسمية تضمنت موافقة وزارة المالية على إدراج موظفي العقود والأجور اليومية ضمن موازنة عام 2026 وتثبيتهم على الملاك الدائم، مع إحالة الملف إلى دائرة الموازنة لاتخاذ الإجراءات اللازمة، ورغم الترحيب الذي لاقته هذه الخطوة بين المشمولين بها، فإنها أعادت إلى الأذهان تجارب حكومية سابقة أطلقت تعهدات مشابهة لم ترَ النور بسبب الأزمات المالية أو الخلافات السياسية.
ويأتي الحديث عن التعيينات وتعديل الرواتب في وقت تتحدث فيه جهات حكومية عن ضغوط مالية كبيرة تواجه الموازنة العامة نتيجة تراجع الإيرادات النفطية وتعطّل بعض الإمدادات المرتبطة بالتوترات الإقليمية وأزمة مضيق هرمز، ما دفع مراقبين إلى التساؤل عن مصادر التمويل التي ستعتمدها الحكومة لتنفيذ التزاماتها الجديدة.
ويرى مختصون بالشأن الاقتصادي، أن أي مشروع لتعديل سلّم الرواتب أو تعيين عشرات الآلاف من العقود يحتاج إلى دراسة مالية دقيقة وخطة واضحة تضمن استدامة الإنفاق وعدم تحميل الخزينة العامة أعباءً إضافية قد تؤدي إلى تفاقم العجز المالي خلال السنوات المقبلة، مؤكدين، أن معالجة ملف الرواتب لا ترتبط فقط بتوفير الأموال، بل تتطلب مراجعة شاملة لهيكل الإنفاق الحكومي وإعادة توزيع الموارد وفق أولويات اقتصادية وإدارية مدروسة.
كما يشير مراقبون إلى أن الجدل المتكرر حول الرواتب والتعيينات غالباً ما يتصاعد مع بداية كل دورة حكومية أو مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، حيث تتحول هذه الملفات إلى أدوات لاستقطاب الرأي العام وكسب التأييد الشعبي، مؤكدين، أن المواطن العراقي سمع خلال السنوات الماضية، العديد من الوعود المتعلقة بتحسين الرواتب وتوفير فرص العمل، إلا أن معظمها اصطدم لاحقاً بعقبات مالية أو قانونية حالت دون تنفيذها بالشكل المعلن.
وفي هذا السياق، أكد المهتم بالشأن الاقتصادي د. فالح الزبيدي في حديث لـ”المراقب العراقي”، أن “معالجة أزمة الرواتب تتطلب توافقاً حقيقياً بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، بعيداً عن التصريحات الإعلامية المتبادلة، فنجاح أي إصلاح مالي يحتاج إلى تشريعات داعمة وإجراءات تنفيذية واضحة، فضلاً عن مراجعة عدد من القوانين والامتيازات المالية التي أقرت خلال السنوات الماضية وأصبحت تشكل جزءاً من الإنفاق الثابت في الموازنة”.
وفيما يتعلق بملف السكن، بيّن الزبيدي، أن” الأولوية يجب أن تتركز على استكمال المشاريع السكنية والاستراتيجية التي أُطلقت خلال السنوات الماضية، بدلاً من الإعلان عن مشاريع جديدة دون ضمانات للتنفيذ، ومن بين هذه المشاريع مدينة الصدر الجديدة والورد والجواهري وغيرها من المشاريع التي مازالت تحتاج إلى استكمال البنى التحتية والخدمات الأساسية وتحويلها إلى واقع ملموس يستفيد منه المواطن”.
ولفت الى أن” واحدة من أبرز المشكلات التي تواجه خطط التنمية في العراق تتمثل في عدم الاستمرارية، إذ غالباً ما تبدأ كل حكومة بإطلاق برامج ومشاريع جديدة تختلف عن سابقتها، بينما يتم إهمال المشاريع القائمة أو تأخيرها، ما يؤدي إلى هدر الوقت والموارد دون تحقيق نتائج حقيقية، لذلك فإن نجاح الحكومة الحالية سيقاس بقدرتها على إكمال ما بدأته الحكومات السابقة بالتوازي مع إطلاق مشاريع جديدة مدروسة وقابلة للتنفيذ”.
وفي ظل التحديات الاقتصادية الحالية، تبقى الأنظار متجهة نحو موازنة 2026 وما ستتضمنه من تخصيصات مالية، لمعرفة ما إذا كانت الوعود الخاصة بتعديل سلم الرواتب وتثبيت العقود وتوزيع الأراضي ستتحول إلى قرارات قابلة للتطبيق، أم أنها ستنضم إلى قائمة طويلة من الوعود التي بقيت حبيسة التصريحات والبيانات الرسمية، فيما يواصل المواطن انتظار حلول حقيقية لأزماته المعيشية والخدمية المتراكمة.



