مزايا الثراء المشروع

يمثل المال العمود الفقري لتقدم الدول والأشخاص، لأن قلّة المال أو فقدانه كليا، يؤديان إلى شلل الدولة والفرد على حد سواء، ولنا أن نتمثل هذا الأمر عندما يُصاب العمود الفقري للإنسان، فماذا يحصل له، إنه سوف يصبح عاجزا عن الحركة، وبالتالي يكون أقرب إلى الجسد المشلول الذي لا يتمكن من العمل وبالتالي غير قادر على الإنتاج.
ولعل خاصية (القدرة على التقدم) تُعد من أهم مزايا المال، فهو العنصر الأساس الذي يأخذ بأيدينا نحو التقدم، ويجعل الفرص أمامنا كثيرة ومتجددة.
لذا طالما أننا نضع التقدم نُصْب أعيننا، ونجعل منه هدفا رئيسا لنا، فإن المال يجب أن يكون متوفرا عندنا، وكلما تضاعفت أموالنا وازددنا ثراءً سوف تكون فرص التقدم لنا مضاعفة، ويصح العكس تماما، أي أن الإنسان فردا أو مجتمعا أو دولة تتضاءل لديه فرص التقدم إذا قلّ أو انعدم المال لديه، وفي هذه الزاوية تحديدا تكمُنُ أهمية توفّر عنصر المال في عمليات التخطيط والتنفيذ الإنتاجي في شتى المجالات والمشاريع.
قد يكون هذا هو السبب الأهم لحتمية الحصول على الأموال إلى درجة الثراء، فلا يمكن تحقيق الاقتصاد الرصين من دون المال، وهنا لابد من الاهتمام الكبير بمضاعفة الثروات، وجعلها هدفا لا يمكن إهماله، بل ورسم خرائط العمل المختلفة والصحيحة لتحقيق الثراء، كونه من الوسائل اللازمة، والحتمية لبناء اقتصاد الدولة والمجتمع والفرد أيضا.
ولكنْ هناك شرط لا ينبغي إغفاله مطلقا، ونحن نحثّ الخطى والعمل نحو تحصيل المال وجمع الثروات، وهذا الشرط ينطوي على شقّين مهمين وهما، الشق الأول أن نحصل هذه الثروات من مصادرها المشروعة، ونبتعد كل البعد عن الأساليب المنحرفة في جمع الأموال، مثل عقد الصفقات المشبوهة، أو التخادم المالي المُريب، أو عبر غسيل الأموال أو السرقة أو الاختلاس، لأن مثل هذه الثروات المحصَّلة بهذه الأساليب لا يمكن أن تقود الناس إلى التقدم.
صرف الأموال ضمن دائرة الحلال
أما الشق الثاني والمهم أيضا، في حال جمع الثروة والأموال بالطرق والأساليب السليمة والمشروعة، فإن صرفها يجب أن يكون مشروعا أيضا، فلا فائدة في أموال نكسبها بالطرق المشروعة والصحيحة، ثم نعمل على هدرها بطرائق ليست مشروعة، لذا لابد أن يكون صرف هذه الأموال في دائرة الحلال حصرا، وعدم الزج بها في مشاريع مشبوهة أو محرمة.
نعم نحن نعلم وغيرنا يعلم كذلك ما هي مزايا المال والثروات، إنها ببساطة تحقق لكل من يمتلكها القوة الاقتصادية، بمعنى أن الدولة التي تمتلك أموالا وثروات طائلة بإمكانها أن تضع الأسس السليمة والقوية لبناء الاقتصاد المعافى والقوي، وهذا يفسر لنا قوة اقتصادات الدول التي تمتلك ثروات طبيعية هائلة حتى لو كانت لا تمتلك القاعدة العلمية والصناعية السليمة، فهناك دول في عصرنا هذا متخلفة فكريا وعلميا لكنها تمتلك اقتصادا قويا بالمال.
حتى على مستوى الأفراد، يمكن أن تنطبق هذه القاعدة، فالشخص الذي يمتلك ثروة كبيرة أقوى بكثير من الشخص الذي تفترسه مخالب الفقر، وهنا يمكننا أن نقارن بين قوة الغني وضعف الفقير اقتصاديا، وهذا يمكن أن نطبقه على الدول والمجتمعات.
أما على صعيد الدول، فإن الأمر الذي لا يختلف عليه اثنان، هو قدرة الاقتصاد القوي على صناعة وتأسيس بنية سياسية قوية أيضا، ولذلك غالبا ما تكون الدول الثرية (قوية الاقتصاد) مؤثرة في السياسات الإقليمية والدولية، ولها كلمتها ودورها في إدارة الأزمات والتحكم بطبيعة العلاقات بين الدول، وهذا يدل على أن الاقتصاد القوي يصنع بنية سياسية متينة.
أما بالنسبة للمسلمين، فإن توفر الثروات يعني قوة الاقتصادات، وبالتالي متانة القرارات السياسية على الصعيدين الدولي والإقليمي، وهذا أمر لا يمكن إنكاره، بالإضافة إلى قدرة الدول الإسلامية على تشييد وبناء المشاريع الاقتصادية القوية، وكذلك امتلاك القدرة على إنجاز المشاريع ذات الفوائد الكبيرة والمتعددة، مثل المؤسسات ذات المنافع الاجتماعية، أو العلمية، أو الدينية، ومثل هذه المشاريع من المحال إنجازها دون وجود الأموال والثروات اللازمة.
الاستثمار الأسمى للأموال
وكما نعلم جميعا أن جميع المشاريع الاجتماعية المهمة، لا يُكتب لها الاستمرار والاستقرار والنجاح، إذا لم تتوفر لها الأموال المطلوبة أو الكافية، فنحن نعلم ماذا تتطلب المشاريع الخيرية والتنموية من أموال، ولا يمكن أن تنمو مثل هذه المشاريع المهمة من دون أن تتوفر لها الأموال، لهذا يُنظر إلى الثراء المشروع على أنه المقوم الأهم في تأسيس وبناء واستمرارية مثل هذه المشاريع المهمة للتنمية والتطوير والتقدم.
وهناك قضية أساسية تتعلق بوفرة الأموال والثراء أيضا، فهي بالإضافة إلى تمكين الدولة والمجتمع والأفراد من البناء المادي السليم، فإنها في نفس الوقت تساعد على بناء القوة المعنوية اللازمة للدول وللأفراد، لأن القوة المادية وحدها لا يمكن أن ترتقي بالدول ولا الأفراد، لهذا تكون الحاجة للجانب المعنوي كبيرة وحتمية أيضا.
ولكن لابد من التنبيه إلى أن جمع المال وتحصيل الثروات بأية طريقة وبأي أسلوب أمر غير مقبول بشكل مطلق، بمعنى يجب أن تتحقق الثروة عبر الأساليب المشروعة حصرا، ولا فائدة من ثروات نجنيها من الحرام، لأنها لن تكون قادرة على النهوض بالدول ولا بالأفراد.
لهذا يتم التأكيد على شرعية سبل جمع الأموال والثروات، حتى تكون قادرة فعلا على النهوض بأصحابها، من هنا يأتي التأكيد القطعي على أهمية مشروعية الثراء، وعدم تحصيل الثروة من الحرام، لأنها ليست ذات فائدة لا للدول ولا للأفراد.



