اخر الأخباراوراق المراقب

قيم أخلاقية متعطش إليها العالم

محمد علي جواد تقي..

ما ميّز المنظومة القيمية في الإسلام؛ شموليتها لجميع نواحي حياة الإنسان والطبيعة المحيطة به، وما يستشعر الحاجة إليها، أو لا يستشعر في حياته اليومية ثم يجدها أمامه في قادم الأيام مثل قيم، العفو، والتسامح، والسلام، والتكافل، والتعاون، وغيرها كثير.

هذه القيم ربما لا يجد أحدنا حاجة اليها وهو يقضي أيامه بشكل طبيعي بين عمله وبيته وبين أفراد عائلته، مع رقم لا بأس به من الوارد المالي الكافي لتغطية نفقات المعيشة، ولكن عندما يتعرض لضائقة مالية، أو فشل في العمل، سيجد الحاجة شديدة للتضامن والتكافل للتخفيف من وطأة تكاليف المعيشة، وستكون جاهزة للعمل فوراً.

هكذا كان رسول الله “صلى الله عليه وآله” يجسد هذه الخصيصة للعالم خلال حركته الرسالية لنشر قيم الدين والأخلاق في منطقة الجزيرة العربية، فهو كان يدعو الناس للعمل والانتاج والإثراء، وفي الوقت نفسه كان يدعوهم الى الإنفاق والإحسان، كما في قصته مع ذلك الرجل الفقير الذي طلب منه ان يكون تاجراً وغنياً وتم له ذلك، بيد أنه تنصّل من قيمة الإنفاق ومسؤولية العطاء فعاتبه النبي الأكرم، واستردّ منه الدرهم الواحد الذي أقرضه إياه، كما أنه شرّع استثمار الأرض و”الأرض لمن عمّرها”، ولكن في نفس الوقت شرّع لمفهوم المحافظة على حقوق الآخرين في قصة ذلك الرجل الذي أبقى على شجرة له وسط بستان باعه لأحد المسلمين، ورفض بيعها، وكادت ان تتحول الى أزمة وشجار مع صاحب البستان، وعندما وجد النبي إصرار صاحب الشجرة وعناده، اقتلع الشجرة وأعطاها إياها، وقال: “لا ضَرَرَ ولا ضِرار في الإسلام”، وهو يدعو المسلمين الى جهاد أعداء الدين وقيم السماء في سوح القتال، بيد أنه يذكرهم، لدى عودتهم من المعركة بأن لهم موعداً لن يخلفوه في الجهاد الأكبر، وهو جهاد النفس، ولعل النبي الأكرم يكون انعكاساً لثقافة القرآن الكريم في طرحه التكاملي للقيم مثال الآية القرآنية الداعية للصلاة؛ {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا}، فإصدار الأمر للأبناء بأن يكونوا مصلين ليس المطلب كله، وإنما تكتمل مع الصلاة قيمة الصبر على التهاون والتثاقل المحتمل.

وكذا الحال في سوح الجهاد مع المشركين، فالنبي الأكرم ليس حريصاً فقط على دماء المسلمين وغيرهم، خلال غزواته الثمانين أو أكثر لأوكار الشرك والتآمر، وإنما كان حريصاً على الطبيعة بإعلانه منع اقتلاع الشجر وإن كان للمشركين، كما حصل مع مشركي الطائف عندما حاصرها بعد فتح مكة، وقد بلغ المشركون أن المسلمين يريدون قطع أشجارهم، إذ كانت الطائف معروفة بكثافة الأشجار المثمرة، وكانت تمثل مصدر القوة الاقتصادية لهم، فبعثوا الى رسول الله يرجوه بعدم قطع أشجارهم، فكان الرد بالإيجاب منه، “صلى الله عليه وآله”، علماً أن التأريخ يتحدث لنا عن إصرار أهل الطائف وعنادهم أمام دعوة التوحيد ورسالة الإسلام، وقد غضّ النبي الأكرم النظر عنها ولم يدخلها عنوة، بل انسحب من ساحة المواجهة حتى حان الوقت المناسب وأسلم أهلها طواعية بأجمعهم في وقت آخر.

أما اليوم من الصعب أن تجد مسلماً واحداً من أقصى الشرق الى أقصى الغرب يقتنع ويتفاعل مع دعوة “للعمل من أجل الاسلام”، لأنه سيجيبك: أيّ إسلام تقصد؟! هل إسلام هذا الحاكم الفاسد؟ أم إسلام تلك الجماعة التي كان كرسي الحكم المحطة الأخيرة في مسيرتها الفكرية والنضالية؟ بلى؛ التفاعل الموجود حالياً مع حالة الدفاع عن النفس، كما حصل في العراق في فتوى الجهاد الكفائي لمواجهة العدوان التكفيري عام 2014، وكانت القيم الأخلاقية المجتمعة مرة واحدة يوم عاشوراء مثل؛ الإيثار، والصبر، والصدق، والوفاء، هي الحافز الأكبر للاقتداء بأبطال الطف، وتحقيق ذلك النصر الباهر أمام أنظار العالم.

إن مشكلة الأمة اليوم، وطوال تأريخها لم تكن في الدين مطلقاً، فقد كانت الصلاة تقام، والصيام في وقته، والحج متاح للجميع؛ الحاكم الظالم والسفاح، والمنافق، والخائن، ومرتكب الكبائر، كما هو متاح للمؤمنين، إنما المشكلة في الأخلاق، وفي التطبيقات العملية، وليس في النظرية، وهذا ما تنبه اليه مبكراً الحكام منذ الساعات الأولى لرحيل رسول الله عن دار الدنيا، عندما قال قائلهم أمام جموع المسلمين، وبتلك الطريقة الفجّة: “من كان يعبد محمداً فان محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فان الله حيٌ لا يموت”، أي أنه يتهم مباشرة بوجود من يعبد النبي الأكرم بين المسلمين ويقصد طبعاً؛ المحبين والمؤمنين بقيمه ونظامه في الحياة.

وبما أن الأخلاق هي التي ترافق حياة الناس، وليست الصلاة والصيام، فان الحكام، ومعهم “كَهَنة الإسلام” من أشباه علماء الدين، رأوا ضرورة فصل المنظومة الاخلاقية عن المنظومة الأحكامية في ثقافة الناس، ليكون الدين مجرد طقوس عبادية، أما الأخلاق فيأخذونها منهم على شكل مناهج مدونة في القصور وفي الغرف المظلمة، قابلة للتغيير وفق مصالحهم، وما القسوة والعنف المتفشية في ثقافة الأمة كالسرطان، إلا أحد الأمثلة على تبني الحكام ومعهم بعض أصحاب “الايديولوجيات الإسلامية” كمنهج عملي في الحياة بدلاً من قيم العفو والتسامح والسلم الاجتماعي.

لذا من يتحدث اليوم عن القيم الأخلاقية والانسانية في المجتمع، سيذكره الناس بأنه لا يعيش في عهد النبي الأكرم، أو في عهد أمير المؤمنين، وإنما في عهد آخر، مثلاً؛ من يريد الزواج أو فرصة العمل أو السكن، فلا الدولة ولا المجتمع مسؤولون عن مساعدته بدعوى ضرورة الاعتماد على نفسه، فالغني لم يصبح غنياً إلا ببذل جهد وعناء، فهل يقدم أمواله بالمجان؟! وهذه الثقافة مصدرها السلطة والحاكم رسخها في النفوس طيلة القرون الماضية، وإذا كنا فخورين بوجود حالات تكافل هنا وهناك، فهي بفضل جهاد خاضه علماء دين ورجال مؤمنون، ضحوا بحياتهم وسمعتهم وحتى أرواحهم لنشر هذه الثقافة الأصيلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى