الإستعاذة بالله سبيل النجاة من الشيطان
لقد تحوّل إبليس من صفوف الجنّ العابدين لله تعالى، ومن منزلة الملائكة المكرّمين الّتي أعطاه الله تعالى إياها لحسن عبادته، إلى منزلة الصاغرين والشياطين، وذلك بسبب استكباره ومنازعته لكبرياء الله العزيز الجبّار، وإصراره على رفض الأمر الإلهيّ بالسجود لآدم عليه السلام. وقد سرد لنا النصّ القرآني الحوار الذي جرى بين الله تعالى وإبليس، لكي نعدّ من عواقب تمرّد إبليس على الأوامر الإلهيّة. فمنذ لحظة انتماء إبليس اللعين إلى عالم الشياطين، أصبح عدوّاً للإنسان وبدأ يتوعده بإغوائه عن طاعة الله تعالى من جميع الجهات والأحوال: ﴿قال فبِما أغْويْتنِي لأقْعُدنّ لهُمْ صِراطك الْمُسْتقِيم * ثُمّ لآتِينّهُم مِّن بيْنِ أيْدِيهِمْ ومِنْ خلْفِهِمْ وعنْ أيْمانِهِمْ وعن شمآئِلِهِمْ ولا تجِدُ أكْثرهُمْ شاكِرِين﴾ بل لم يكتفِ إبليس بهذا الوعيد فقط حتّى أنّه أقسم بربّ العزّة على إضلال الناس وغوايتهم، إذ قال: ﴿فبِعِزّتِك لأُغْوِينّهُمْ أجْمعِين﴾.يقول الإمام الصادق عليه السلام: “إنّ الشياطين أكثر على المؤمنين من الزنابير على اللحم”. ولذا فإنّ ربّ العزّة والجلال قد حذّرنا مراراً في محكم كتابه العزيز من وسوسة الشيطان ومكائده، قائلاً: ﴿إِنّ الشّيْطان لكُمْ عدُوٌّ فاتّخِذُوهُ عدُوًّا إِنّما يدْعُو حِزْبهُ لِيكُونُوا مِنْ أصْحابِ السّعِيرِ﴾ ، بل قد نهانا المولى عزّ و جلّ عن اتّباع الشيطان وما يزيّنه لنا من ملذّات الدنيا وشهواتها، لأنّه عدوّنا وباتّباعه وتصديقه سوف يأمرنا بمعصية الله وارتكاب الفحشاء والمنكر: ﴿يا أيُّها الّذِين آمنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كآفّةً ولا تتّبِعُواْ خُطُواتِ الشّيْطانِ إِنّهُ لكُمْ عدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ ، هذا وقد دعانا الله تعالى إلى عبادته وحده فقط، وأن لا نعبد الشيطان: ﴿ألمْ أعْهدْ إِليْكُمْ يا بنِي آدم أن لّا تعْبُدُوا الشّيْطان إِنّهُ لكُمْ عدُوٌّ مُّبِينٌ﴾. كما أنّ أمير المؤمنين عليه السلام قد نبّهنا إلى ذلك، عندما قال: “احذروا عدوّاً نفذ في الصدور خفيّاً، ونفث في الآذان نجيّاً”. وكذلك ما نقرؤه في مناجاة الشاكين للإمام زين العابدين عليه السلام: “إلهي أشكو إليك عدوّاً يُضلّني، وشيطاناً يغويني، قد ملأ بالوسواس صدري، وأحاطت هواجسه بقلبي، يُعاضد لي الهوى، ويُزيّن لي حبّ الدنيا، ويحول بيني وبين الطاعة والزلفى”.إلّا أنّه بالرغم من تكرار التحذير الإلهيّ وإرشادات أهل البيت عليهم السلام لنا وتنبيهنا من خطورة عداوة الشيطان، فإنّ الله جلّ جلاله قال في الكتاب العزيز: ﴿وقلِيلٌ مِّنْ عِبادِي الشّكُورُ﴾، ما يعني أن أكثرنا عرضةٌ للسقوط في مكائد الشيطان الرجيم، ومن ثمّ الانحراف عن الخطّ المستقيم، ونصبح في عداد المغضوب عليهم ومن الّذين قد ضلّوا طريق الحقّ، مع أنّنا ندعو الله سبحانه في صلاتنا اليوميّة لهدايتنا للصراط المستقيم، ونستعين به عزّ و جلّ على ذلك: ﴿إِيّاك نعْبُدُ وإِيّاك نسْتعِينُ * اهدِنا الصِّراط المُستقِيم * صِراط الّذِين أنعمت عليهِمْ غيرِ المغضُوبِ عليهِمْ ولا الضّالِّين﴾ .ولكنّ رحمة الله تعالى ولطفه بنا أكبر من مكائد الشيطان، قال تعالى: ﴿ولوْلا فضْلُ اللهِ عليْكُمْ ورحْمتُهُ لاتّبعْتُمُ الشّيْطان إِلاّ قلِيلا﴾، وقال: ﴿ولقدْ صدّق عليْهِمْ إِبْلِيسُ ظنّهُ فاتّبعُوهُ إِلّا فرِيقًا مِّن الْمُؤْمِنِين﴾.والمؤمنون المخلصون لله تعالى لا سلطان للشيطان عليهم، كما يقول المولى تعالى: ﴿فإِذا قرأْت الْقُرْآن فاسْتعِذْ بِاللّهِ مِن الشّيْطانِ الرّجِيمِ * إِنّهُ ليْس لهُ سُلْطانٌ على الّذِين آمنُواْ وعلى ربِّهِمْ يتوكّلُون * إِنّما سُلْطانُهُ على الّذِين يتولّوْنهُ والّذِين هُم بِهِ مُشْرِكُون ﴾ . إلّا أنّه لا بدّ أن نخاطب أنفسنا: من هؤلاء الذين يغويهم الشيطان ويتمكّن منهم؟ وكيف يكون له ذلك؟ هل لقوّة مكر الشيطان أم لضعف إيمان الإنسان؟ أم الأمرين معاً؟! لا بُدّ من المداومة على ذكر الله تعالى على كلّ حال، لكي لا نترك للشيطان وحزبه أيّ منفذ أو نقطة ضعف فينا فيستغلّها، قال الإمام الصادق عليه السلام: “ما من شيء إلّا وله حدّ ينتهي إليه إلّا الذكر، فليس له حدّ ينتهي إليه، فرض الله عزّ و جلّ الفرائض فمن أدّاهنّ فهو حدّهنّ، وشهر رمضان فمن صامه فهو حدّه والحجّ فمن حجّ فهو حدّه، إلّا الذكر فإنّ الله عزّ و جلّ لم يرض منه بالقليل ولم يجعل له حدّاً ينتهي إليه، ثمّ تلا هذه الآية ﴿يا أيُّها الّذِين آمنُوا اذْكُرُوا الله ذِكْرًا كثِيرًا * وسبِّحُوهُ بُكْرةً وأصِيلاً﴾” . إنّ كلمة (الاستعاذة) هي بمعنى: العوذ، أي اللجوء والاحتماء من ضرر أو خوف وما شابه ذلك. ولذا فإنّ الله تعالى يطلب منّا أن نستعيذ به من همزات الشيطان وإغوائه، لأنّه جلّ جلاله هو القادر على أن يعصمنا من شرّ الشيطان ويدفعه عنّا. وهنا لا بُدّ أن نُدرك حقيقة أنّ الشيطان رغم امتلاكه عدّة وسائل شيطانيّة ومتنوِّعة، إلّا أنّ كيده في الواقع ضعيف وهزيل أمام الإنسان الثابت في إيمانه بالله العزيز الجبّار، والمستعين به في كلّ الأهوال والأحوال. وهذا ما أكّده القرآن الكريم لنا: ﴿.. إِنّ كيْد الشّيْطانِ كان ضعِيفً﴾ ، وفي قوله: ﴿إِنّهُ ليْس لهُ سُلْطانٌ على الّذِين آمنُواْ وعلى ربِّهِمْ يتوكّلُون﴾ .والشيطان الرجيم يعترف بتلك الحقيقة، كما جاء في النصّ القرآنيّ: ﴿وما كان لِي عليْكُم مِّن سُلْطانٍ إِلاّ أن دعوْتُكُمْ فاسْتجبْتُمْ لِي فلا تلُومُونِي ولُومُواْ أنفُسكُم﴾ .نعم، من يتبّع الشيطان ويتولّه يكنْ للشيطان سلطان عليه . إذاً لا بُدّ أن نستعيذ بالله تعالى ونعتصم به من مكر الشيطان لكي نُبعد شرّه عنّا، وقد أرشدنا أهل البيت عليه السلام إلى عدّة أمور في هذا الصدد: فعن الإمام الصادق عليه السلام: “قال إبليس: خمسة أشياء ليس لي فيهنّ حيلة، وسائر الناس في قبضتي: من اعتصم بالله عن نيّة صادقة واتّكل عليه في جميع أموره.ومن كثر تسبيحه في ليله ونهاره. ومن رضي لأخيه المؤمن بما يرضاه لنفسه. ومن لم يجزع على المصيبة حين تُصيبه. ومن رضي بما قسم الله له ولم يهتمّ لرزقه”. وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:”ألا أخبركم بشيء إن أنتم فعلتموه تباعد الشيطان منكم تباعد المشرق من المغرب؟ قالوا: بلى. قال صلى الله عليه وآله وسلم: “الصوم يُسوّد وجهه، والصدقة تكسر ظهره، والحبّ في الله والموازرة على العمل الصالح يقطعان دابره، والاستغفار يقطع وتينه” .كما لا ننسى في نهاية هذا الحديث أن نُشير إلى مسألة هامّة في حياتنا، وهي أنّ الشياطين ليسوا من الجنّ فقط، بل هناك من الإنس من تلبّسهم الشيطان، وأصبح شرّهم أعظم من شرّه، قال تعالى: ﴿قُلْ أعُوذُ بِربِّ الْفلقِ * مِن شرِّ ما خلق﴾.وهذا كليم الله موسى عليه السلام قد استعاذ بالله من شرّ وتكبّر فرعون: ﴿وقال مُوسى إِنِّي عُذْتُ بِربِّي وربِّكُم مِّن كُلِّ مُتكبِّرٍ لّا يُؤْمِنُ بِيوْمِ الْحِسابِ﴾ كما أنّ الإمام الخمينيّ قال كلمته المدوّية الّتي زلزلت عرش فرعون العصر أميركا وربيبتها الجرثومة السرطانيّة إسرائيل، قالها الإمام صراحةً: “أميركا الشيطان الأكبر”، بل أكّد الإمام على أنّ: “كلّ مصائبنا من أمريكا”.أعاذ الله أمّتنا الإسلاميّة من شرّ الشيطان الأميركيّ – الإسرائيليّ كبيره وصغيره.



