مظاهر الأخوة بين المؤمنين


لقد جسّدت السيرة العطرة للرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام النموذج المثاليّ في إبراز مظاهر الأخوّة الإيمانية بين المؤمنين، ولعلّ أبرز تلك النماذج قد تجلّت عندما هاجر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة المنوّرة، فكان من بين سلسلة الإجراءات الإستراتيجيّة الّتي قام بها صلى الله عليه وآله وسلم آنذاك، من أجل وضع اللبنة الأولى للمجتمع الإسلاميّ وبناء الدولة الرساليّة المحمّديّة، هو المؤاخاة بين المسلمين وتوثيق عرى التعاون بينهم. فقد روي أنّ الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم: “آخى بين الناس، وترك عليّاً للأخير، حتّى لا يرى له أخاً. فقال: يا رسول الله، آخيت بين أصحابك وتركتني؟ فقال: إنّما تركتك لنفسي، أنت أخي، وأنا أخوك، فإن ذكرك أحد، فقل: أنا عبد الله وأخو رسوله، لا يدّعيها بعدك إلّا كذّاب. والّذي بعثني بالحقّ، ما أخّرتك إلّا لنفسي، وأنت منّي بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنّه لا نبيّ بعدي، وأنت أخي ووارثي”. هذا بالإضافة إلى العدد الكبير من الروايات والأحاديث الواردة عنهم عليهم السلام، والّتي أكّدوا فيها أن تسود مضامين الأخوّة الإيمانية ومظاهرها المفترضة في المجتمع الإسلاميّ وفي كلّ زمان ومكان، ونذكر على سبيل المثال: أ- الشمولية في الدعاء للمؤمنين والمؤمنات..لقد أولت الشريعة الإسلامية أهميّة خاصّة لبعض فئات المجتمع الإسلاميّ بغية تعزيز روح التكافل الاجتماعيّ وبثّ روح المحبّة والاحترام. لذا نلاحظ في دعاء أبي حمزة الثماليّ، أنّ الإمام السجاد عليه السلام لم يقتصر في طلب الدعاء والمغفرة للمجتمع المؤمن بشكل شموليّ، بل قد عدّد بعض فئات المجتمع وخصّصهم بالدعاء والمغفرة، فشمل أموات المؤمنين والمؤمنات، حينما قال “اللّهُمّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِين والْمُؤْمِناتِ، الأحْياءِ مِنْهُمْ والأمْواتِ، وتابِعْ بيْننا وبيْنهُمْ بِالْخيْراتِ . اللّهُمّ اغْفِرْ لِحيِّنا وميِّتِنا..”. وروي عن أبي الحسن الرضا عليه السلام أنّه قال: “ما من مؤمن يدعو للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إلا كتب الله له بكلّ مؤمن ومؤمنة حسنة منذ بعث الله آدم إلى أن تقوم الساعة”. أمّا عن كيفيّة الدعاء لهم وزيارتهم فهو كما ذكر الإمام الصادق عليه السلام: “.. اللّهم جافِ الأرض عن جنوبهم، وصاعد إليك أرواحهم، ولقّهم منك رضواناً، وأسكن إليهم من رحمتك ما تصل به وحدتهم، وتونس به وحشتهم، إنّك على كلّ شيء قدير”.هذا وقد قرن الإمام علي عليه السلام بين زيارة الأموات وطلب قضاء الحوائج، في قوله عليه السلام: “زوروا موتاكم فإنّهم يفرحون بزيارتكم، وليطلب الرجل حاجته عند قبر أبيه وأمّه بعدما يدعو لهما”.ويتابع الإمام السجّاد عليه السلام في دعائه، قائلاً: “اللّهُمّ اغْفِرْ لِحيِّنا وميِّتِنا، وشاهِدِنا وغائِبِنا…”. إنّ الإمام عليه السلام يدعو بالمغفرة ليس للمؤمنين الحاضرين والشاهدين فقط، بل الدعوة بالمغفرة تشمل حتّى الغائب، سواء كان الغائب مسافراً أم سجيناً أم غير ذلك. وهذا المظهر من مظاهر المغفرة بين المؤمنين قد أكّدته روايات أهل البيت عليه السلام، فقد روي عن أبي جعفر الكاظم عليه السلام قال: “أوشك دعوة وأسرع إجابة دعاء المرء لأخيه بظهر الغيب”.وعنه عليه السلام في قوله تبارك وتعالى: ﴿ويسْتجِيبُ الّذِين آمنُوا وعمِلُوا الصّالِحاتِ ويزِيدُهُم مِّن فضْلِهِ﴾ قال: “هو المؤمن يدعو لأخيه بظهر الغيب فيقول له الملك: آمين ويقول الله العزيز الجبّار: ولك مثل ما سألت وقد أُعطيت ما سألت بحبّك إيّاه”. بالإضافة إلى ذلك فقد خصّص الإمام السجّاد عليه السلام الدعاء بالمغفرة أيضاً إلى الكبير والصغير “اللّهُمّ اغْفِرْ لـ.. صغِيرِنا وكبِيرِنا”، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “من وقّر ذا شيبة في الإسلام آمنه الله عزّ و جلّ من فزع يوم القيامة”14. وعن أبي عبد الله عليه السلام: “ليس منّا من لم يوقّر كبيرنا ويرحم صغيرنا”. بل قد ذكر عليه السلام حتّى المملوك في ذلك الزمان “اللّهُمّ اغْفِرْ لـ.. حُرِّنا وممْلُوكِنا”، ولم يغفله الإمام عليه السلام وجعله متساوياً في حقّ الدعاء والمغفرة له كما هو حال بقيّة فئات المجتمع الإسلاميّ. وهذا يكشف لنا عن عظمة الإسلام المحمّدي الأصيل الّذي لا يُفرّق بين الناس إلّا بالتقوى كما جاء في قوله تعالى: ﴿… إِنّ أكْرمكُمْ عِند اللهِ أتْقاكُمْ﴾ .ويُمكن أن نُضيف إلى مظاهر الأخوّة بين المؤمنين، الإحسان إلى الجيران والدعاء لهم، فقد رويّ عن الإمام الحسن عليه السلام قال: “رأيت أمّي فاطمة عليها السلام قامت في محرابها ليلة جمعتها فلم تزل راكعة ساجدة حتّى اتّضح عمود الصبح، وسمعتها تدعو للمؤمنين والمؤمنات وتُسمّيهم، وتُكثر الدعاء لهم، ولا تدعو لنفسها بشيء، فقلت لها: يا أمّاه، لم لا تدعين لنفسك كما تدعين لغيرك؟ .



