وانتصرت إرادة المقاومين

بقلم: ايهاب شوقي..
بعد أكثر من أربعين يومًا من القتال الضاري، ومحاولات أمريكا و”إسرائيل” المستميتة لتصفية المقاومة وتفريق الساحات، استطاعت المقاومة الخروج بانتصار تأريخي جديد يراكم انتصاراتها، واستطاعت إيران فرض وحدة الساحات وفرض إرادة المقاومة على إرادة الأمريكي والصهيوني وذيولهما، وتثبيت القاعدة بأن كل مواجهة يتجرأ العدو فيها على مقارعة أسياد وأسود الميدان من المقاومين، تنتهي بمحرقة لدباباته وجنوده، وأن جيش الحرب الصهيوني القاتل للأطفال والنساء والعزل، لا يرقى ليكون جيشًا مقاتلًا عندما يواجه قوات الرضوان وشباب المقاومة، رغم فارق العدد والعتاد.
أقدمت إيران على التضحية بمنجزها الاستراتيجي في التفاوض من موقع القوة، في سبيل ضم ملف لبنان إلى مفاوضاتها، واستغلت ورقة مضيق هرمز في الضغط لوقف استهداف المقاومة والانفراد بها، ورغم المؤامرات بفصل الساحات من الخارج والداخل اللبناني، والعمد إلى التعطيل وكسب الوقت للإجهاز على المقاومة أو انتزاع صورة نصر، فإن بطولات المقاومة الأسطورية، استطاعت قلب الطاولة وتحويل الوقت إلى وبال على الصهاينة وجنودهم وعلى الداخل الصهيوني، حتى استغاث سكان شمال فلسطين المحتلة من نيران الحزب، وحوّلوا غضبهم إلى حكومتهم الفاشلة.
وفشلت الكتيبة 101 التي يتباهى بها الصهاينة، وفشل كل من لواء غفعاتي ولواء غولاني والفرقة 98 والفرقة 52 التي تُعرف بالمقتحمين، والفرقة 162 المدرعة، في مواجهة المئات من قوة الرضوان، وهو ما جعل التمادي بمثابة انتكاسة وتهشيم لصورة جيش العدو إقليميًا ودوليًا.
انتصرت إرادة إيران عبر فرض وقف إطلاق النار وكشف حقيقة القائد الفعلي للعدوان، حيث انكشف أنه الأمريكي الذي يستطيع توجيه الأمر لتابعه الصهيوني عبر منصة سوشيال ميديا، لتثبت صحة كلام سيد شهداء المقاومة السيد نصر الله، عندما قال، إن أمريكا هي القائد والحاكم للكيان، وإن الكيان أوهن من بيت العنكبوت.
وانتصرت إرادة المقاومة عندما كسرت جميع القيود والسلاسل الفولاذية لمقولات حق أريد بها باطل، من دور للسلطات وإشراف للجان دولية، ثبت أن جميعها يعمل لشرعنة الاحتلال والانتهاك الصهيوني وتماديه وتوغله، فهبت المقاومة لتصحح مفهوم السيادة والكرامة والوسيلة الوحيدة لاستعادة الحقوق مع عدو لا يعرف غير لغة القوة.
ولدرء المفاهيم الخاطئة والدعايات المضللة، أوضحت المقاومة بخطاب عقلاني مسؤول، أن ضم إيران للبنان في ملف التفاوض مع أمريكا في باكستان هو تقوية ومساعدة لموقفه، وليس تدخلًا في شؤونه، لأن التحرير ليس تدخلًا، إلا في حالة أن يكون الإجماع الوطني هو العبودية والبقاء تحت الاحتلال.
وهنا لا بدَّ من رصد ملاحظات عدة لها انعكاساتها الاستراتيجية:
- لا يزال العدو محتفظًا في ذاكرته بالهزيمة في الجنوب، وتحديدًا في بنت جبيل التي ألقى الشهيد الأسمى السيد نصر الله منها خطابه الشهير الذي وصف فيه الكيان بأنه “أوهن من بيت العنكبوت”. وقد حاول كسر هذه الرمزية، لأن الشهيد نصر الله قال، إن انتصارات 2000 أسست لزوال مشروع “إسرائيل الكبرى”، وكانت محاولة من العدو لتثبيت هذا المشروع، وبالتالي فإن فشل السيطرة على بنت جبيل رغم تحشيد آلاف الجنود في مواجهة مئات المقاومين، ثبت سردية المقاومة وعمّق من هزيمة العدو الاستراتيجية.
- رغم مضي أكثر من أربعين عامًا من مقاومة الجنوب، وأكثر من ربع قرن على انتصارات العام 2000، ونحو عشرين عامًا على انتصارات تموز، فإن هناك ثباتًا في الأداء الأسطوري للمقاومين، وهو ما يعني تعاقبًا للأجيال المقاومة سواء من الأهالي والمتطوعين أو من تشكيلات الحزب المقاتلة وقوة الرضوان.
- اعتراف الصهاينة والأمريكيين بقوة المقاومة وإيران يعكس فشلًا للعدو وذيوله في فرض ثقافة الاستسلام والانهزامية التي يروّج لها المنبطحون، ويعتبرون المقاومة والكرامة انتحارًا. وهنا يكفينا أن نستشهد فقط بمثالين وردا في وسائل إعلام الصهاينة وأمريكا:
الأول: ما أوردته صحيفة “يديعوت أحرونوت” نقلًا عن إحصاء الجيش “الإسرائيلي”، الذي قال: إن حزب الله أطلق خلال المعركة الأخيرة:
2500 صاروخ على “إسرائيل”.
5500 صاروخ وقذيفة على القوات المناورة جنوب لبنان.
140 صاروخًا مضادًا للدروع على القوات المناورة جنوب لبنان.
وهو أكبر فضح لأكذوبة ضعف المقاومة أو القضاء على قدراتها، وأكبر دليل على فشل العدو في نزع سلاح المقاومة، فما بالنا بمن يتبع العدو أو يخاف منه أو يعتبر مواجهته انتحارًا؟!.
الثاني: ما قاله الخبير العسكري الأمريكي روبرت بيب، والذي قال نصًا: “صعدت إيران إلى مركز القوة العالمي الرابع، إلى جانب الولايات المتحدة والصين وروسيا، ليس لأنها أقوى عسكريًا، بل لأنها أصبحت قادرة على صياغة القرار في قمة النظام الدولي، وهذا أمر لم يكن من الممكن تصوّره قبل هذه الحرب”.
وهو دليل مضاف لتغير موازين القوى وفساد الرهانات على اللاعبين القدامى الذين لا يملكون إلا سلاح الرشاوى وشراء الذمم والوطنية.



