الثبات على نهج الحقّ والإيمان

أيّها النازحون والصامدون في زمن الاضطراب والشدائد، إنّ من أخطر ما قد يواجه الإنسان في لحظات الأزمات ليس فقدان المكان والأحبّة فحسب، بل فقدان البوصلة التي تحدّد له طريق الحقّ. فعندما تختلط الأصوات، وتتداخل الفتن، يصبح الثبات على الحقّ أعظم عبادة وأشدّ امتحان.
من هنا يرسم أمير المؤمنين (عليه السلام) طريق النجاة بوضوح، طالباً منّا إعانته عليه، حين يقول: «أَلَا وَإِنَّكُمْ لَا تَقْدِرُونَ عَلَى ذَلِكَ، وَلَكِنْ أَعِينُونِي بِوَرَعٍ وَاجْتِهَادٍ وَعِفَّةٍ وَسَدَادٍ»، فالثبات ليس شعاراً، بل هو مسارٌ عمليّ يبدأ من تهذيب النفس وضبطها.
وفي هذا السياق، فإنّ أوّل خطوة على طريق الثبات هي معرفة الحقّ نفسه؛ لأنّ الإنسان إذا لم يعرف الحقّ، قد يضلّ وهو يظنّ أنّه على هدىً؛ ولذلك قال (عليه السلام): «اِعرف الحقّ تعرف أهلَه» (فلا تُقاس الحقائق بالأشخاص، بل تُعرف الأشخاص بالحقّ، ويُوزن الجميع بميزانه.
لكن معرفة الحقّ وحدها لا تكفي ما لم تتحوّل إلى سلوك والتزام، وهنا تأتي المرحلة الثانية: مجاهدة النفس؛ إذ يؤكّد الإمام (عليه السلام) قائلاً: «لَا يُدْرَكُ الْحَقُّ إِلَّا بِالْجِدِّ».
فطريق الحقّ يحتاج إلى صبر، وإرادة، ومقاومة للهوى. ومن أبرز ما يُهدّد الإنسان في هذا الطريق: اتّباع الهوى وطول الأمل؛ لأنّهما يبدّلان البصيرة ويشوّشان القرار؛ ولذلك حذّر (عليه السلام) بقوله: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ اثْنَانِ: اتِّبَاعُ الْهَوَى وَطُولُ الْأَمَلِ؛ فَأَمَّا اتِّبَاعُ الْهَوَى فَيَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ، وَأَمَّا طُولُ الْأَمَلِ فَيُنْسِي الْآخِرَةَ» .
وحين يتفاعل الإنسان مع الحقّ، ويصدّقه قلبه، وينعكس في عمله، عندها يتحوّل إلى إيمان حيّ؛ فالإيمان حقيقة متكاملة من القلب واللسان والعمل، يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «الإيمان معرفة بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالأركان»، فالإيمان يظهر في المواقف، لا في الكلمات، ويُختبر في زمن الشدّة لا في زمن الراحة.
ولكي يثبت الإنسان في زمن البلاء على الحقّ والإيمان، لا بدّ له من أن يصحّح نظرته إلى الدنيا نفسها؛ بأنّها ليست دار استقرار، بل هي طريق عبور، يقول (عليه السلام): «الدنيا دار ممرّ لا دار مقرّ»، ويقول أيضاً: «إنّما وُضعنا فيها لنُبتلى بها» فحين يدرك الإنسان أنّه في طريق لا في نهاية، يخفّ تعلّقه، ويقوى صبره، وتستقيم رؤيته للشدائد. وفي ضوء ذلك، تصبح المحن جزءاً من بناء الإنسان لا هدمه، وفرصة لرفع درجته لا لإسقاطه.
أيّها الأحبّة، إنّ مدرسة أمير المؤمنين (عليه السلام) ليست مجرّد فكر يُتلى، بل هي منهج حياة في الثبات والصبر. تعلّمنا أن لا ننهزم أمام الفتن، ولا نتنازل عن الحقّ بحجّة الظروف، وأن نبقى أوفياء للقيم مهما اشتدّت الضغوط. فالنجاة الحقيقيّة ليست في تغيّر الظروف، بل في ثبات الإنسان داخلها.



